الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        معلومات الكتاب

                                        إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

                                        ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

                                        جزء صفحة
                                        [ ص: 61 ]   1 - الحديث الأول : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إنما الأعمال بالنيات } وفي رواية : { بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه } .

                                        التالي السابق


                                        الرابع : ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب ، قد يطلق عليه عمل ، ولكن الأسبق إلى الفهم : تخصيص العمل بأفعال الجوارح ، وإن كان ما يتعلق بالقلوب فعلا للقلوب أيضا .

                                        ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص الأعمال بما لا يكون قولا .

                                        وأخرج الأقوال من ذلك وفي هذا عندي بعد .

                                        وينبغي أن يكون لفظ " العمل " يعم جميع أفعال الجوارح .

                                        نعم لو كان خصص بذلك لفظ " الفعل " لكان أقرب .

                                        فإنهم استعملوهما متقابلين ، فقالوا : الأفعال ، والأقوال .

                                        ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا .

                                        والله أعلم .



                                        السادس : قوله صلى الله عليه وسلم { وإنما لكل امرئ ما نوى } يقتضي أن من نوى شيئا يحصل له ، وكل ما لم ينوه لم يحصل له فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل .

                                        ومن هذا عظموا هذا الحديث .

                                        فقال بعضهم : يدخل في حديث { الأعمال بالنيات } ثلثا العلم .

                                        فكل مسألة خلافية حصلت فيها نية ، فلك أن [ ص: 64 ] تستدل بهذا على حصول المنوي .

                                        وكل مسألة خلافية لم تحصل فيها نية ، فلك أن تستدل بهذا على عدم حصول ما وقع في النزاع .

                                        [ وسيأتي ما يقيد به هذا الإطلاق ] فإن جاء دليل من خارج يقتضي أن المنوي لم يحصل ، أو أن غير المنوي يحصل ، وكان راجحا : عمل به وخصص هذا العموم .



                                        السابع : قوله " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " اسم " الهجرة " يقع على أمور ، الهجرة الأولى : إلى الحبشة .

                                        عندما آذى الكفار الصحابة .

                                        الهجرة الثانية : من مكة إلى المدينة .

                                        الهجرة الثالثة : هجرة القبائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتعلم الشرائع ، ثم يرجعون إلى المواطن ، ويعلمون قومهم .

                                        الهجرة الرابعة : هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى مكة .

                                        الهجرة الخامسة : هجرة ما نهى الله عنه .

                                        ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع ، غير أن السبب يقتضي : أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة ; لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس .

                                        فسمي مهاجر أم قيس ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة ، دون سائر ما تنوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية ، ثم أتبع بالدنيا .

                                        الثامن : المتقرر عند أهل العربية : أن الشرط والجزاء والمبتدأ أو الخبر ، لا بد وأن يتغايرا .

                                        وههنا وقع الاتحاد في قوله { فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله } وجوابه : أن التقدير : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا ، فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا .

                                        التاسع : شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف في أسباب الحديث ، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز .

                                        فوقفت من ذلك على شيء يسير له .

                                        وهذا الحديث - على ما قدمنا من الحكاية عن مهاجر أم قيس - واقع على سبب يدخله في هذا القبيل .

                                        وتنضم إليه نظائر كثيرة لمن قصد تتبعه . [ ص: 65 ]

                                        العاشر : فرق بين قولنا " من نوى شيئا لم يحصل له غيره " وبين قولنا " من لم ينو الشيء لم يحصل له " والحديث محتمل للأمرين .

                                        أعني قوله صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات } وآخره يشير إلى المعنى الأول ، أعني قوله { ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه } .




                                        الخدمات العلمية