الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                          مؤطأ مالك وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا أَخْرَجَنَا الْجُوعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ شرح الزرقاني 1732 1684 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي سِيَاقِهِمُ اخْتِلَافٌ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ ) النَّبَوِيَّ ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ هَكَذَا بِالشَّكِّ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا ، وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ . ( فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُمَا ) فِي مُسْلِمٍ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ ( فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : " فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ، وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ " ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ مُسْلِمٌ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ " ، ( وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ) ، قَالَهُ تَسْلِيَةً وَإِينَاسًا لَهُمَا لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ جُوعِهِمَا . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : " قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ " ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ الْفُتُوحِ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ ، فَرِوَايَتُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ فَتْحِهَا ، وَلَا يُنَافِي صَنِيعَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْذُلُونَ مَا يُسْأَلُونَ ، فَرُبَّمَا يَحْتَاجُونَ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَعَلَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ لَيْلَةٍ ، فَلَوْ كَانَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ مَا تَرَدَّدَ . وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّ الشَّكَّ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ مِنْ أَحَدِ رِجَالِ الْإِسْنَادِ . ( فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ ، وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، ثُمَّ مِيمٌ - مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَاسْمُهُ مَالِكُ ( ابْنُ التَّيِّهَانِ ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةٌ - يُقَالُ : إِنَّهُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ أَيْضًا مَالِكُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَعُورَا ( الْأَنْصَارِيُّ ) الْأَوْسِيُّ ، وَزَعُورَا أَخُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ شَهِدَ بَدْرًا ، وَالْمُشَاهِدَ كُلَّهَا ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : لَمْ أَرَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَلَا يُثْبِتُهُ ، وَقِيلَ : مَاتَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ قَائِلُهُ . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : " فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشِّيَاهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ " ، وَكَذَا عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَأَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا ، وَابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَمِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ اتَّفَقَتْ مَرَّةً مَعَ أَبِي الْهَيْثَمِ ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَمَرَّةً مَعَ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِالْإِبْهَامِ قَالَ : فَأَتَى بِهِمَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَذَهَابُهُمْ إِلَيْهِ لَا يُنَافِي كَمَالَ شَرَفِهِمْ ، فَقَدِ اسْتَطْعَمَ قَبْلَهُمْ مُوسَى وَالْخَضِرُ لِإِرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِتَسْلِيَةِ الْخَلْقِ بِهِمْ ، وَأَنْ يُسْتَنَّ بِهِمُ السَّنَنَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِلْأُمَّةِ . وَهَلْ خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاصِدًا مِنْ أَوَّلِ خُرُوجِهِ إِنْسَانًا مُعَيَّنًا ، أَوْ جَاءَ التَّعْيِينُ بِالِاتِّفَاقِ ؟ احْتِمَالَانِ : قَالَ بَعْضُهُمُ : الْأَصَحُّ أَنَّ أَوَّلَ خَاطِرٍ حَرَّكَهُ لِلْخُرُوجِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ; لِأَنَّ الْكُمَّلَ لَا يَعْتَمِدُونَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ قَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ ، فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَجِدُ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، ( فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ) خَبَزَا ، ( وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكِّبْ ) - بِفَتْحِ النُّونِ ، وَكَسْرِ الْكَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَمُوَحَّدَةٍ - أَيْ أَعْرِضْ ( عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ ) ، أَيِ اللَّبَنِ . وَفِي مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ، نَهَاهُ عَنْ ذَبْحِهَا شَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِلَبَنِهَا ، مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِهَا ، فَهُوَ نَهْيُ إِرْشَادٍ لَا كَرَاهَةٍ فِي مُخَالَفَتِهِ لِزِيَادَةِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ ، لَكِنَّهُ امْتَثَلَ الْأَمْرَ ، ( فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ) عَنَاقًا ، أَوْ جَدْيًا كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ بِالشَّكِّ ، وَالْعَنَاقُ بِالْفَتْحِ أُنْثَى الْمَعْزِ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَقِيلَ : مَا لَمْ يُتِمَّ سَنَةً ، وَالْجَدْيُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - : ذَكَرُ الْمَعْزِ لَمْ يَبْلُغْ سَنَةَ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَةٍ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَقَالَ : كُلُوا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مَنْ رُطَبِهِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا . وَفِي رِوَايَةٍ : أَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ تَمْرِهِ ، وَبُسْرِهِ ، وَرُطَبِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي تَيَسَّرَ فَوْرًا بِلَا كُلْفَةٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَاجَتَهُمْ ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَلْوَانًا ثَلَاثَةً ، وَلِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِمَا يُتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الْحَلَاوَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُقَوٍّ لِلْمَعِدَةِ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ هَضْمًا . ( وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ) ، أَيْ جَاءَ لَهُمْ بِمَاءٍ عَذْبٍ ، وَكَانَ أَكْثَرُ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ مَالِحَةً ، وَفِيهِ حِلُّ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ . ( فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ) لِيُصِيبَهُ بَرْدُ الْهَوَاءِ ، فَيَصِيرُ عَذْبًا بَارِدًا . ( ثُمَّ أَتَوْا بِذَلِكَ الطَّعَامِ ) خُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَالشَّاةِ ، رُوِيَ أَنَّهُ شَوَى نِصْفَهُ ، وَطَبَخَ نِصْفَهُ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بِهِ فَلَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنَ الْجَدْيِ ، فَوَضَعَهُ فِي رَغِيفٍ ، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ : أَبْلِغْ بِهَذَا فَاطِمَةَ لَمْ تُصِبْ مِثْلَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَيْهَا ، ( فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ) الْعَذْبِ الْبَارِدِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ ) قِيلَ : سُؤَالُ امْتِنَانٍ لَا سُؤَالُ حِسَابٍ . وَقِيلَ : سُؤَالُ حِسَابٍ دُونَ مُنَاقَشَةٍ حَكَاهُمَا الْبَاجِيُّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَذَا سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَإِنْعَامٍ وَتَعْدِيدِ فَضْلٍ ، لَا سُؤَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ وَمُحَاسَبَةٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُسْأَلُ عَنْ نَعِيمِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ هَلْ نَالَهُ مِنْ حِلِّهِ أَمْ لَا ؟ فَإِذَا خَلَصَ مِنْ ذَلِكَ ، سُئِلَ هَلْ قَامَ بِوَاجِبِ الشُّكْرِ فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ أَمْ لَا ؟ فَالْأَوَّلُ سُؤَالٌ عَنْ سَبَبِ اسْتِخْرَاجِهِ ، وَالثَّانِي عَنْ مَحَلِّ صَرْفِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا ، وَرَوَوْا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فَقَالَ هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طِيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ . وَإِنَّمَا ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ إِرْشَادًا لِلْآكِلِينَ وَالشَّارِبِينَ إِلَى حِفْظِ أَنْفُسِهِمْ فِي الشِّبَعِ عَنِ الْغَفْلَةِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْحَدِيقَةِ وَالتَّنَعُّمِ عَنِ الْآخِرَةِ ، أَوْ هُوَ تَسْلِيَةٌ لِلْحَاضِرِينَ الْمُفْتَقِرِينَ عَنْ فَقْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ حُرِمُوا عَنِ التَّنَزُّهِ ، فَقَدِ اتَّقَوُا السُّؤَالَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : إِذَا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هَذَا فَصَارَ بِأَيْدِيكُمْ ، فَقُولُوا : بِسْمِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ أَشْبَعَنَا ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ ، فَإِنَّ هَذَا كَفَاءُ هَذَا ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : كِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا الرَّجُلُ جُوعَهُ ، أَوْ ثَوْبٍ يَسْتُرُ بِهَا عَوْرَتَهُ ، أَوْ حُجْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْقُرِّ وَالْحَرِّ .

                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                          الخدمات العلمية