الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                            جزء صفحة
                                                                                            قَوَاعِدُ فِي النَّفْيِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْكَلَامِ جُمَلٌ مِنْ قَوَاعِدِهِ ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا زِيَادَاتٍ : اعْلَمْ أَنَّ نَفْيَ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ قَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِلصِّفَةِ دُونَ الذَّاتِ ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِلذَّاتِ ، وَانْتِفَاءُ النَّهْيِ عَنِ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ قَدْ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الذَّاتِ ، وَقَدْ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الصِّفَةِ دُونَ الذَّوَاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ( الْإِسْرَاءِ : 33 ) فَإِنَّهُ نَهَى عَنِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَقَالَ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ( الْأَنْعَامِ : 151 ) . وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ : لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ( الْمَائِدَةِ : 95 ) وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( آلِ عِمْرَانَ : 102 ) أَيْ : فَلَا يَكُونُ مَوْتُكُمْ إِلَّا عَلَى حَالِ كَوْنِكُمْ مَيِّتِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَالنَّهْيُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلَى خِلَافِ حَالِ الْإِسْلَامِ ؛ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : لَا تُصَلِّ إِلَّا وَأَنْتَ خَاشِعٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَهْيًا عَنِ الصَّلَاةِ ، بَلْ عَنْ تَرْكِ الْخُشُوعِ . وَقَوْلُهُ : لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ( النِّسَاءِ : 43 ) الْآيَةَ . وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ النَّفْيَ بِحَسْبِ مَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ يَكُونُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ بِنَفْيِ الْمُسْنَدِ ؛ نَحْوَ : مَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ قَعَدَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ( الْبَقَرَةِ : 273 ) فَالْمُرَادُ نَفْيُ السُّؤَالِ مِنْ أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَعَفِّفُونَ ؛ وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُ الْإِلْحَافِ . الثَّانِي : أَنْ يُنْفَى الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ ، فَيَنْتَفِيَ الْمُسْنَدُ ، نَحْوُ : مَا قَامَ زَيْدٌ ، إِذَا كَانَ زَيْدٌ غَيْرَ مَوْجُودٍ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ زَيْدٍ نَفْيُ الْقِيَامِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ( الْمُدَّثِّرِ : 48 ) أَيْ : لَا شَافِعِينَ لَهُمْ فَتَنْفَعُهُمْ شَفَاعَتُهُمْ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ أَيْ : عَلَى طَرِيقٍ لَا مَنَارَ لَهُ ، فَيُهْتَدَى بِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ أَنْ يُثْبِتَ الْمَنَارَ فَيَنْتَفِيَ الِاهْتِدَاءُ بِهِ . الثَّالِثُ : أَنْ يُنْفَى الْمُتَعَلِّقُ دُونَ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ ، نَحْوُ : مَا ضَرَبْتُ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا . الرَّابِعُ : أَنْ يُنْفَى قَيْدُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ أَوِ الْمُتَعَلِّقِ ؛ نَحْوُ : مَا جَاءَنِي رَجُلٌ كَاتِبٌ بَلْ شَاعِرٌ ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَاتِبًا بَلْ شَاعِرًا ؛ فَلَمَّا كَانَ النَّفْيُ قَدْ يَنْصَبُّ عَلَى الْمُسْنَدِ وَقَدْ يَنْصَبُّ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ أَوِ الْمُتَعَلِّقِ ، وَقَدْ يَنْصَبُّ عَلَى الْقَيْدِ احْتَمَلَ فِي قَوْلِنَا : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَاتِبًا أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْقَيْدَ ، فَيُفِيدُ الْكَلَامُ رُؤْيَةَ غَيْرِ الْكَاتِبِ ؛ وَهُوَ احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ ؛ وَلَا يَكُونُ الْمَنْفِيُّ الْمُسْنَدَ ؛ أَيِ : الْفِعْلَ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ رُؤْيَةٌ عَلَيْهِ ؛ لَا عَلَى رَجُلٍ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ ؛ وَهُوَ فِي الْمَرْجُوحِيَّةِ كَالَّذِي قَبْلَهُ .

                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                            الخدمات العلمية