الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ : الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ الْوَزِيرُ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ ، مَكَثَ وَزِيرًا فِي وِزَارَتِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَانَ فِيهِ حِلْمٌ وَكَرَمٌ وَأَنَاةٌ . حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الصَّابِئُ قَالَ : كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَهُ وَقَدْ جِيءَ بِدَوَاةٍ قَدْ صُنِعَتْ لَهُ وَمِرْفَعٍ قَدْ حُلِّيَا بِحِلْيَةٍ كَثِيرَةٍ ، فَقَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشِّيرَازِيُّ - سِرًّا بَيْنِي وَبَيْنَهُ - : مَا كَانَ أَحْوَجَنِي إِلَيْهَا لِأَبِيعَهَا وَأَنْتَفِعَ بِهَا ، فَقُلْتُ : وَأَيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ الْوَزِيرُ ؟ فَقَالَ : يَدْخُلُ فِي حِرِ أُمِّهِ ، فَسَمِعَهَا الْوَزِيرُ وَهُوَ مُصْغٍ إِلَيْنَا وَلَا نَشْعُرُ ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ بِالدَّوَاةِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيِّ وَمِرْفَعِهَا وَعَشْرَةِ ثِيَابٍ وَخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَاصْطَنَعَ لَهُ غَيْرَهَا ، فَاجْتَمَعْنَا يَوْمًا آخَرَ عِنْدَهُ ، وَهُوَ يُوَقِّعُ مِنْ تِلْكَ الدَّوَاةِ الْجَدِيدَةِ ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : هِيهِ ، مَنْ مِنْكُمَا يُرِيدُهَا مَعَ الْإِعْفَاءِ مِنَ الدُّخُولِ ؟ قَالَ : فَاسْتَحْيَيْنَا ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ سَمِعَ كَلَامَنَا يَوْمَئِذٍ ، وَقُلْنَا : بَلْ يُمَتِّعُ اللَّهُ الْوَزِيرَ بِهَا ، وَيُبْقِيهِ لِيَهَبَ أَلْفًا مِثْلَهَا . تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً . دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَعْلَجَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَبُو مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ الْمُعَدِّلُ ، سَمِعَ بِخُرَاسَانَ وَحُلْوَانَ وَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَمَكَّةَ ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ وَالْمَشْهُورِينَ بِالْبِرِّ وَالْإِفْضَالِ ، وَلَهُ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ ، وَأَوْقَافٌ دَارَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ بِبَغْدَادَ وَمَكَّةَ وَسِجِسْتَانَ . وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ ، فَكَانَ يَقُولُ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ بَغْدَادَ وَلَا فِي بَغْدَادَ مِثْلُ الْقَطِيعَةِ ، وَلَا فِي الْقَطِيعَةِ مِثْلُ دَرْبِ أَبِي خَلَفٍ ، وَلَيْسَ فِي دَرْبِ أَبِي خَلَفٍ مَثَلُ دَارِي . وَصَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَهُ مُسْنَدًا ، وَكَانَ إِذَا شَكَّ فِي حَدِيثٍ تَرَكَهُ ، فَكَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ يَقُولُ : لَمْ أَرَ فِي مَشَايِخِنَا أَثْبَتَ مِنْهُ . وَقَدْ أَنْفَقَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً كَثِيرَةً جِدًّا ، اقْتَرَضَ مِنْهُ بَعْضُ التُّجَّارِ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَضَمِنَ بِهَا ضِيَاعًا ، فَرَبَحَ فِي مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَعَزَلَ مِنْهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ ، وَجَاءَهُ بِهَا ، فَأَضَافَهُ دَعْلَجُ ضِيَافَةً حَسَنَةً ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِهَا قَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ لَهُ : هَذِهِ الدَّنَانِيرُ الَّتِي تَفَضَّلْتَ بِهَا قَدْ حَضَرَتْ . فَقَالَ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَرُدَّهَا ، فَحَلِّ بِهَا الْأَهْلَ ، فَقَالَ : إِنِّي قَدْ رَبِحْتُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَهَذِهِ مِنْهَا ، فَقَالَ لَهُ دَعْلَجُ : اذْهَبْ بِهَا ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ . فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ يَتَّسِعُ مَالُكَ لِهَذَا ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَفَدْتَ هَذَا الْمَالَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ فِي حَدَاثَةِ سِنِّي أَطْلُبُ الْحَدِيثَ ، فَجَاءَنِي رِجُلٌ تَاجِرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرِ ، فَدَفَعَ إِلَيَّ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : اتَّجِرْ فِي هَذِهِ ، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ ، وَمَا كَانَ مِنْ خَسَارَةٍ فَعَلَيَّ دُونَكَ ، وَعَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ إِنْ وَجَدْتَ حَاجَةً أَوْ خَلَّةً فَسُدَّهَا مِنْ مَالِي هَذَا . ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ : إِنِّي سَأَرْكَبُ فِي الْبَحْرِ ، فَإِنْ هَلَكْتُ ، فَالْمَالُ فِي يَدِكَ عَلَى مَا شَرَطْتُ عَلَيْكَ . فَهُوَ فِي يَدِي عَلَى مَا قَالَ . ثُمَّ قَالَ لِي : لَا تُخْبِرْ بِهَذَا أَحَدًا مُدَّةَ حَيَاتِي . فَلَمْ أُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا حَتَّى مَاتَ . وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ، رَحِمَهُ اللَّهُ . عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعِ بْنِ مَرْزُوقٍ أَبُو الْحُسَيْنِ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ ، سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي أُسَامَةَ ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْحِفْظِ ، وَلَكِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَانَ يُخْطِئُ وَيُصِرُّ عَلَى الْخَطَأِ . تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا . أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ الْمُفَسِّرُ ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ هَارُونَ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ الْمُفَسِّرُ الْمُقْرِئُ ، مَوْلَى أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَوْصِلِ وَكَانَ عَالِمًا بِالتَّفْسِيرِ وَالْقِرَاءَاتِ ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الْمَشَايِخِ ، وَحَدَّثَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَالْخُلْدِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ وَابْنُ رِزْقَوَيْهِ وَخَلْقٌ ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ ، وَتَفَرَّدَ بِأَشْيَاءَ مُنْكَرَةٍ ، وَقَدْ وَقَفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَخْطَائِهِ ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَكْذِيبِهِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَهُ كِتَابُ التَّفْسِيرِ الَّذِي سَمَّاهُ " شِفَاءَ الصُّدُورِ " فَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هُوَ إِشْفَاءُ الصُّدُورِ . وَقَدْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا فِي نَفْسِهِ ، عَابِدًا نَاسِكًا ، حَكَى مَنْ حَضَرَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ يَدْعُو بِدُعَاءٍ ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ يَقُولُ : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [ الصَّافَّاتِ : 61 ] يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ خَرَجَتْ رُوحُهُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الثَّانِي مِنْ شَوَّالٍ مِنْهَا ، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِدَارِ الْقُطْنِ . مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو بَكْرٍ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الضَّرِيرِ ، كَانَ ثِقَةً عَابِدًا . وَمِنْ قَوْلِهِ : دَافَعْتُ الشَّهَوَاتِ حَتَّى صَارَتْ شَهْوَتِي الْمُدَافَعَةُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية