الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْشٍ ، أَبُو إِسْحَاقَ الْوَاعِظُ الزَّاهِدُ النَّيْسَابُورِيُّ ، كَانَ يَعِظُ النَّاسَ ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ : يَضْحَكُ الْقَضَاءُ مِنَ الْحَذَرِ ، وَيَضْحَكُ الْأَجَلُ مِنَ الْأَمَلِ ، وَيَضْحَكُ التَّقْدِيرُ مِنَ التَّدْبِيرِ ، وَتَضْحَكُ الْقِسْمَةُ مِنَ الْجَهْدِ وَالْعَنَاءِ . عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ ، أَبُو الْحَسَنِ الْوَزِيرُ وَلَّاهُ الْمُقْتَدِرُ الْوِزَارَةَ ، ثُمَّ عَزَلَهُ ، ثُمَّ وَلَّاهُ ، ثُمَّ عَزَلَهُ ، ثُمَّ وَلَّاهُ ، ثُمَّ عَزَلَهُ هَذِهِ السَّنَةَ وَقَتَلَهُ ، وَكَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا ، مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَكَانَ يَدْخُلُهُ مِنْ ضِيَاعِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَا أَلْفِ دِينَارٍ ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَيُجْرِي عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، أَثَابَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ وَنَهْضَةٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالْوِزَارَةِ وَالْحِسَابِ ، يُقَالُ : إِنَّهُ نَظَرَ يَوْمًا فِي أَلْفِ كِتَابٍ ، وَوَقَّعَ عَلَى أَلْفِ رُقْعَةٍ ، فَتَعَجَّبَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ فِيهِ مُرُوءَةٌ وَكَرَمٌ وَحُسْنُ سِيرَةٍ فِي وِلَايَاتِهِ ، غَيْرَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ; فَإِنَّهُ ظَلَمَ وَغَشَمَ وَصَادَرَ النَّاسَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ . وَقَدْ كَانَ فِيهِ كَرَمٌ وَسَعَةٌ فِي النَّفَقَةِ ، ذُكِرَ عِنْدَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةُ وَأَهْلُ الْأَدَبِ وَالشُّعَرَاءُ وَالْفُقَهَاءُ ، فَأَطْلَقَ مِنْ مَالِهِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عِشْرِينَ أَلْفًا . وَكَتَبَ رَجُلٌ عَلَى لِسَانِهِ إِلَى نَائِبِ مِصْرَ كِتَابًا فِيهِ الْوَصِيَّةُ بِهِ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ اسْتَرَابَ بِهِ ، وَقَالَ : مَا هَذَا خَطُّهُ ، وَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى الْوَزِيرِ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ عَرَفَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَزُورٌ ، وَاسْتَشَارَ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ فِي الَّذِي زَوَّرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَنْبَغِي أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يُقْطَعُ إِبْهَامُهُ ، وَقَالَ الْآخَرُ : يُضْرَبُ ضَرْبًا عَنِيفًا . فَقَالَ الْوَزِيرُ : أَوْ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَأَخَذَ الْكِتَابَ ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ : نَعَمْ هَذَا خَطِّي ، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِي ، فَلَا تَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَّا وَصَلْتَهُ بِهِ . فَلَمَّا عَادَ الْكِتَابُ أَحْسَنَ نَائِبُ مِصْرَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَوَصَلَهُ بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ . وَاسْتَدْعَى ابْنُ الْفُرَاتِ يَوْمًا بِبَعْضِ الْكُتَّابِ ، فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! إِنَّ نِيَّتِي فِيكَ سَيِّئَةٌ ، وَإِنِّي فِي كُلِّ وَقْتٍ أُرِيدُ أَنْ أَقْبِضَ عَلَيْكَ وَأُصَادِرَكَ مَالَكَ ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ مِنْ لَيَالٍ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُ بِالْقَبْضِ عَلَيْكَ ، فَجَعَلْتَ تَمْتَنِعُ مِنِّي ، فَأَمَرْتُ جُنْدِي أَنْ تُقَاتِلَ ، فَجَعَلُوا كُلَّمَا ضَرَبُوكَ بِشَيْءٍ مِنْ سِهَامٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ السِّلَاحِ تَتَّقِي الضَّرْبَ بِرَغِيفٍ فِي يَدِكَ ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْكَ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ ، فَأَعْلِمْنِي مَا قِصَّةُ هَذَا الرَّغِيفِ ؟ فَقَالَ : أَيُّهَا الْوَزِيرُ ، إِنَّ أُمِّي مُنْذُ كُنْتُ صَغِيرًا كَانَتْ تَضَعُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ تَحْتَ وِسَادَتِي رَغِيفًا ، ثُمَّ تُصْبِحُ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ عَنِّي ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهَا حَتَّى مَاتَتْ . فَفَعَلْتُهُ بَعْدَهَا ، فَأَنَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أُبَيِّتُ تَحْتَ وِسَادَتِي رَغِيفًا ، ثُمَّ أُصْبِحُ فَأَتَصَدَّقُ بِهِ ، فَعَجِبَ الْوَزِيرُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا يَنَالُكَ مِنِّي سُوءٌ أَبَدًا ، وَلَقَدْ حَسُنَتْ نِيَّتِي فِيكَ وَأَحْبَبْتُكَ . وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ وَذَكَرَ بَعْضَ مَا أَوْرَدْنَاهُ . مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو بَكْرٍ الْأَزْدِيُّ الْوَاسِطِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بَالْبَاغَنْدِيِّ ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ ، وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ ، وَخَلْقًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ ، وَرَحَلَ إِلَى الْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ ، وَاشْتَغَلَ فِيهِ فَأَفْرَطَ ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا سَرَدَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ بِأَسَانِيدِهَا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، فَيُسَبِّحُ بِهِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ . وَكَانَ يَقُولُ : أَنَا أُجِيبُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّمَا أَثْبَتُ فِي الْحَدِيثِ مَنْصُورٌ أَوِ الْأَعْمَشُ ؟ فَقَالَ لَهُ : مَنْصُورٌ ، مَنْصُورٌ . وَقَدْ كَانَ يُعَابُ بِالتَّدْلِيسِ ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ ، يُحَدِّثُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ ، وَرُبَّمَا سَرَقَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية