الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            منتقى الأخبار بَابُ مَا تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ وَمَا رُخِّصَ لَهَا فِيهِ 2939 - ( عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ { : كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا نَكْتَحِلُ ، وَلَا نَطَّيَّبُ ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إذَا اغْتَسَلَتْ إحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ } . أَخْرَجَاهُ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ ، فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ فِيهِ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ : { لَا تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ) . 2940 - ( وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ ، وَلَا الْحُلِيَّ ، وَلَا تَخْتَضِبُ ، وَلَا تَكْتَحِلُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ) 2941 - ( وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْت عَلَيَّ صَبْرًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ فَقُلْت : إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ ، قَالَ : إنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ ، قَالَتْ : قُلْت : بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَك } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ) . 2942 - ( وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : { طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا ، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلًا لَهَا ، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ فَنَهَاهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : اُخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَك لَعَلَّك أَنْ تَصَّدَّقِي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ ) . 2943 - ( وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : تَسَلَّبِي ثَلَاثًا ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْت } . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرٍ ، فَقَالَ : لَا تُحِدِّي بَعْدَ يَوْمِك هَذَا } رَوَاهُمَا أَحْمَدُ ، وَهُوَ مُتَأَوَّلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِحْدَادِ وَالْجُلُوسِ لِلتَّعْزِيَةِ ) . نيل الأوطار حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْأَوَّلُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رُوِيَ مَوْقُوفًا ، وَالْمَرْفُوعُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ الدَّارَقُطْنِيّ قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ تَضْعِيفَ مَنْ ضَعَّفَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْإِرْجَاءِ ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ . وَحَدِيثُهَا الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ ، وَفِي إسْنَادِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ الضَّحَّاكِ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أُسَيْدٍ عَنْ أُمِّهَا عَنْ مَوْلًى لَهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . وَقَدْ أَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَالْمُنْذِرِيُّ بِجَهَالَةِ حَالِ الْمُغِيرَةِ وَمَنْ فَوْقَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأُعِلَّ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ سَمِعْت { أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا } الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَقَدْ حَسَّنَ إسْنَادَ حَدِيثِهَا الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ . وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا قَوْلُهُ : ( نُنْهَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ قَوْلُهُ : ( وَلَا نَكْتَحِلُ ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَتَطَيَّبُ ) فِيهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُسَمَّى طِيبًا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ اسْتَثْنَى صَاحِبُ الْبَحْرِ اللِّينُوفَرَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْعَرَارَ ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطِيبٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا الْبَنَفْسَجُ فَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ : بُرُودُ الْيَمَنِ ، يُعْصَبُ غَزْلُهَا : أَيْ يُرْبَطُ ثُمَّ يُصْبَغُ ثُمَّ يُنْسَجُ مَعْصُوبًا فَيَخْرُجُ مُوَشًّى لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أَبْيَضَ لَمْ يَنْصَبِغْ ، وَإِنَّمَا يَنْصَبِغُ السُّدَى دُونَ اللُّحْمَةِ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : إنَّ الْعَصْبَ نَبَاتٌ لَا يَنْبُتُ إلَّا بِالْيَمَنِ ، وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ الدَّاوُدِيّ : إنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوْبِ الْعَصْبِ : الْخَضِرَةُ وَهِيَ الْحِبَرَةُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَادَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ وَلَا الْمَصْبُوغَةِ إلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاسِ الْحُزْنِ وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى : لَهَا لُبْسُ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ وَالْأَكْهَبِ وَمَا بَلِيَ صَبْغُهُ وَالْخَاتَمِ وَالزُّقْرِ وَالْوَدَعِ . وَكَرِهَ عُرْوَةُ الْعَصْبَ أَيْضًا ، وَكَرِهَ مَالِكٌ غَلِيظَهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَرَخَّصَ أَصْحَابُنَا مَا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مَصْبُوغًا . وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ ; فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْعُهُ مُطْلَقًا مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ لِأَنَّهُ مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهَا . قَالَ فِي الْبَحْرِ : مَسْأَلَةٌ : وَيُحَرَّمُ مِنْ اللِّبَاسِ الْمَصْبُوغُ لِلزِّينَةِ وَلَوْ بِالْمَغْرَةِ وَالْحَرِيرُ وَمَا فِي مَنْزِلَتِهِ لِحُسْنِ صَنْعَتِهِ وَالْمُطَرَّزُ وَالْمَنْقُوشُ بِالصَّبْغِ وَالْحُلِيُّ جَمِيعًا . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَفِي التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ جَوَازُهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَيْضًا اسْمُ الْحُلِيِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ : ( فِي نُبْذَةٍ ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ : وَهِيَ كَالْقِطْعَةِ مِنْ الشَّيْءِ . وَتُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ قَوْلُهُ : ( مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ " مِنْ قُسْطٍ " بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَظْفَارٍ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ " وَهُوَ أَصْوَبُ ، وَخَطَّأَ الْقَاضِي عِيَاضٍ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْقُسْطُ وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ الْبَخُورِ وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُودِ الطِّيبِ رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنْ الْحَيْضِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ تَتْبَعُ بِهِ أَثَرَ الدَّمِ لَا لِلتَّطَيُّبِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ ، انْتَهَى ، وَرُوِيَ كُسْطٌ بِالطَّاءِ بِإِبْدَالِ الْكَافِ مِنْ الْقَافِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَقَدْ تُبْدَلُ الْكَافُ مِنْ الْقَافِ ، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ اسْتِعْمَالُ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا مِنْ جِنْسِ مَا مُنِعَتْ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَلَا الْمُمَشَّقَةَ ) أَيْ الْمَصْبُوغَةَ بِالْمِشْقِ وَهُوَ الْمَغْرَةُ قَوْلُهُ : ( يَشُبُّ الْوَجْهَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ : أَيْ يُجَمِّلُهُ . وَظَاهِرُ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ مَوْتٍ أَنْ تَجْعَلَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّبْرَ بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعَهُ بِالنَّهَارِ لِأَنَّهُ يُحَسِّنُ الْوَجْهَ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الزِّينَةُ وَهُوَ النَّهَارُ ، وَيَجُوزُ فِعْلُهُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَشِطَ بِشَيْءٍ مِنْ الطِّيبِ أَوْ بِمَا فِيهِ زِينَةٌ كَالْحِنَّاءِ ، وَلَكِنَّهَا تَمْتَشِطُ بِالسِّدْرِ قَوْلُهُ : ( تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَك ) الْغِلَافُ فِي الْأَصْلِ الْغِشَاوَةُ ، وَتَغْلِيفُ الرَّأْسِ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْهِ مِنْ الطِّيبِ أَوْ السِّدْرِ مَا يُشْبِهُ الْغِلَافَ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : تَغَلَّفَ الرَّجُلُ وَاغْتَلَفَ حَصَلَ لَهُ غِلَافٌ . قَوْلُهُ : ( تَجُدُّ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ : أَيْ تَقْطَعُ نَخْلًا لَهَا ، وَظَاهِرُ إذْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِالْخُرُوجِ لِجَدِّ النَّخْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِتِلْكَ الْحَاجَةِ وَلِمَا يُشَابِهُهَا بِالْقِيَاسِ . وَقَدْ بَوَّبَ النَّوَوِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : بَابُ جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ مِنْ مَنْزِلِهَا فِي النَّهَارِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاسِمُ وَالْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَرَضِ الدِّينِيِّ أَوْ الدُّنْيَوِيِّ تَعْلِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ أَوْ فِعْلِ الْخَيْرِ . وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } الْآيَةَ . بَلْ الْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْعُمُومِ بِالْمَشْعُورِ بِهِ مِنْ النَّهْيِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إلَّا لِلْحَاجَةِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ . وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي النَّهَارِ مُطْلَقًا ، وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ ، وَغَايَتُهُ اعْتِبَارُ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ لِقُرْبَةٍ مِنْ الْقُرَبِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ آخِرُ الْحَدِيثِ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مُطْلَقَ الْجَوَازِ فِي النَّهَارِ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ ( تَسَلَّبِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبَعْدَهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ الْبَسِي السَّلَّابَ : وَهُوَ ثَوْبُ الْإِحْدَادِ . وَقِيلَ : هُوَ ثَوْبٌ أَسْوَدُ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى حَدِيثِ أَسْمَاءَ هَذَا وَكَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِوُجُوبِ الْإِحْدَادِ

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية