الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
بيان فضيلة الرضا   .

أما من الآيات فقوله تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه وقد قال تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده ،  وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى .

وقال تعالى : ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة ، بل هو غاية مطلب سكان الجنان .

وفي الحديث إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول : سلوني . فيقولون : رضاك فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل .

وأما رضا العبد فسنذكر حقيقته وأما رضوان الله تعالى عن العبد  فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد ، ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته ؛ إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه .

وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه ، فإنما سألوه الرضا ؛ لأنه سبب دوام النظر ، فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر ، فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه ، وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب .

وقال الله تعالى : ولدينا مزيد قال بعض المفسرين : يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين إحداها ؛ : هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها ، فذلك قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين والثانية : السلام عليهم من ربهم ، فيزيد ذلك على الهدية فضلا ، وهو قوله تعالى : سلام قولا من رب رحيم والثالثة : يقول الله تعالى : إني عنكم راض ، فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم ، فذلك قوله تعالى : ورضوان من الله أكبر ، أي من النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد .

وأما من الأخبار فقد روي أن النبي : صلى الله عليه وسلم : سأل طائفة من أصحابه : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون . فقال : ما علامة إيمانكم فقالوا : نصبر على البلاء ، ونشكر عند الرخاء ، ونرضى بمواقع القضاء . فقال : مؤمنون ورب الكعبة وفي خبر آخر أنه قال : حكماء علماء ، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء وفي الخبر : طوبى لمن هدي للإسلام ، وكان رزقه كفافا ورضي به وقال : صلى الله عليه وسلم : من رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل وقال أيضا : إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه فإن ، رضي اصطفاه وقال أيضا : إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا ، فتقول لهم الملائكة : هل رأيتم الحساب ؟ فيقولون : ما رأينا حسابا فتقول لهم . : هل جزتم الصراط ؟ فيقولون : ما رأينا صراطا . فتقول لهم : هل رأيتم جهنم ؟ فيقولون : ما رأينا شيئا . فتقول الملائكة : من أمة من أنتم ؟ فيقولون : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتقول ناشدناكم : الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون : خصلتان كانتا فينا ، فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله . فيقولون : وما هما ؟ ؟ فيقولون : كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ، ونرضى باليسير مما قسم لنا . فتقول الملائكة : يحق لكم هذا وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء : أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم  ، وإلا فلا .

وفي أخبار موسى عليه السلام : إن بني إسرائيل قالوا له : سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى به عنا . فقال موسى عليه السلام :

إلهي ، قد سمعت ما قالوا . فقال : يا موسى ، قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم .

ويشهد لهذا ما روي عن نبينا : صلى الله عليه وسلم : أنه قال : من أحب أن يعلم ما له عند الله : عز وجل : فلينظر ما لله : عز وجل : عنده ، فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه وفي أخبار داود عليه السلام ما لأوليائي والهم بالدنيا ، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود ، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين ، لا يغتمون .

وروي أن موسى عليه السلام قال : رب دلني على أمر فيه رضاك حتى أعمله . فأوحى الله تعالى إليه : إن رضائي في كرهك ، وأنت لا تصبر على ما تكره . قال : يا رب دلني عليه . قال : فإن رضائي في رضاك بقضائي وفي مناجاة موسى عليه السلام : أي رب ، أي خلقك أحب إليك ؟ قال : من إذا أخذت منه المحبوب سالمني . قال : فأي خلقك أنت عليه ساخط ؟ قال : من يستخيرني في الأمر ، فإذا قضيت له سخط قضائي. وقد روي ما هو أشد من ذلك وهو : إن الله تعالى قال : أنا الله لا إله إلا أنا ، من لم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي ، ولم ، يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي .

ومثله في الشدة قوله تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال الله تعالى : قدرت المقادير ، ودبرت التدبير ، وأحكمت الصنع ، فمن رضي فله الرضا مني حتى يلقاني ، ومن سخط فله السخط مني حتى يلقاني  وفي الخبر المشهور : يقول الله تعالى : خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه ، وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه ، وويل ثم ويل لمن قال : لم وكيف .

؟ وفي الأخبار السالفة أن : نبيا من الأنبياء شكا إلى الله : عز وجل : الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما ، أجيب إلى ما أراد ، ثم أوحى الله تعالى إليه : كم تشكو ؟ هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات .

والأرض وهكذا سبق لك مني ، وهكذا ، قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا ، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك ؟ أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ؟ ويكون ما تريد فوق ما أريد ؟ وعزتي وجلالي ، لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة .

وروي أن آدم عليه السلام : كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون ، يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه من ، ينزل على أضلاعه كذلك ، وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه ، فقال له بعض ولده : يا أبت ، أما ترى ما يصنع هذا بك ؟ لو نهيته عن هذا ! فقال : يا بني ، إني رأيت ما لم تروا ، وعلمت ما لم تعلموا ، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء .

فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبني ما لا أعلم .

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله : صلى الله عليه وسلم : عشر سنين ، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ، ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ، ولا قال في شيء كان ليته لم يكن ، ولا في شيء لم يكن ليته كان ، وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول : دعوه ، لو قضي شيء لكان .

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود إنك ، تريد وأريد ، وإنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد .

التالي السابق



الخدمات العلمية