الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
ولما سئل رسول الله : صلى الله عليه وسلم : عن معنى الشرح في قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام  وقيل له : ما هذا الشرح قال : إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح ، قيل : يا رسول الله ، وهل لذلك من علامة ؟ قال : نعم ، التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ، فانظر كيف جعل الزهد شرطا للإسلام  وهو التجافي عن دار الغرور وقال : صلى الله عليه وسلم استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : إنا لنستحي منه تعالى ، فقال ليس كذلك تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون . فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله تعالى ولما قدم عليه بعض الوفود قالوا : إنا مؤمنون ، قال : وما علامة إيمانكم ؟ فذكروا الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء ، والرضا بمواقع القضاء ، وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء ، فقال : صلى الله عليه وسلم : إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ، ولا تبنوا ما لا تسكنون ، ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون  ، فجعل الزهد تكملة لإيمانهم، وقال ، جابر رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من جاء : بلا إله إلا الله لا يخلط بها غيره وجبت له الجنة فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما لا يخلط بها غيرها ، صفه لنا ، فسره لنا؟ فقال : حب الدنيا طلبا لها واتباعا لها وقوم يقولون قول الأنبياء ويعملون عمل الجبابرة ، فمن جاء بلا إله إلا الله ليس فيها شيء من هذا وجبت له الجنة وفي الخبر : السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك وقال أيضا : السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا والسخاء ثمرة الزهد   .

والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة .

وروي عن ابن المسيب عن أبي ذر عن رسول الله : صلى الله عليه وسلم : أنه قال : من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه فأنطق بها لسانه  وعرفه داء الدنيا ودواءها ، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام وروي أنه : صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم ، وأنفسها عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والوبر ولعظمها في قلوبهم قال الله تعالى وإذا العشار عطلت قال : فأعرض عنها رسول الله : صلى الله عليه وسلم وغض بصره ، فقيل له : يا رسول الله : هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها ؟ فقال : قد نهاني الله عن ذلك ، ثم تلا قوله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به الآية وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها : قالت : قلت : يا رسول الله ، ألا تستطعم الله فيطعمك قالت : وبكيت لما رأيت به من الجوع ، فقال : يا عائشة ، والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ، ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها ، يا عائشة ، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ، يا عائشة ، إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصبر عن محبوبها ، ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل والله ما لي بد من طاعته ، وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا قوة إلا بالله وروي عن عمر : رضي الله عنه : أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة رضي الله عنها : البس ألين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ، ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر فقال عمر : يا حفصة ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته ؟ فقالت : بلى ، قال : ناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله : صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية ، ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة ؟ وناشدتك الله ، هل تعلمين أن النبي : صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر وهو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر ؟ وناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله : صلى الله عليه وسلم قربتم إليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ، ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض ؟ وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله : صلى الله عليه وسلم : كان ينام على عباءة مثنية فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها فلما استيقظ قال : منعتموني قيام الليلة بهذه العباءة ، اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها ؟. وناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله : صلى الله عليه وسلم : كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة ؟ وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله : صلى الله عليه وسلم صنعت له امرأة من بني ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر ، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره وقد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك ؟ فما زال يقول حتى أبكاها وبكى عمر رضي الله عنه : وانتحب حتى ظننا أن نفسه ستخرج .

وفي بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنه قال : كان لي صاحبان سلكا طريقا فإن سلكت غير طريقهما سلك بي طريق غير طريقهما ، وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد .

التالي السابق



الخدمات العلمية