الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ قَرَّبْتَ الْأَمْرَ فِيهِ مَعَ أَنَّكَ أَكْثَرْتَ فِي ذِكْرِ مَدَاخِلِ الْغُرُورِ فَبِمَ ؟ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْجُو مِنْهُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ بِالْفِعْلِ ، وَالْعِلْمِ ، وَالْمَعْرِفَةِ . فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنْهَا . أَمَّا الْعَقْلُ فَأَعْنِي بِهِ الْفِطْرَةَ الْغَرِيزِيَّةَ وَالنُّورَ الْأَصْلِيَّ الَّذِي بِهِ يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ فَالْفَطِنَةُ وَالْكَيْسُ فِطْرَةٌ ، وَالْحُمْقُ وَالْبَلَادَةُ فِطْرَةٌ ، وَالْبَلِيدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ عَنِ الْغُرُورِ فَصَفَاء الْعَقْلِ ، وَذَكَاءُ الْفَهْمِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يُفْطَرْ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فَاكْتِسَابُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ . نَعَمْ إِذَا حَصَلَ أَصْلُهُ أَمْكَنَ تَقْوِيَتُهُ بِالْمُمَارَسَةِ فَأَسَاسُ السِّعَادَاتِ كُلِّهَا الْعَقْلُ ، وَالْكِيَاسَةُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي قَسَّمَ الْعَقْلَ بَيْنَ عِبَادِهِ أَشْتَاتًا ؛ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَسْتَوِي عَمَلُهُمَا وَبِرُّهُمَا وَصَوْمُهُمَا وَصَلَاتُهُمَا ، وَلَكِنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الْعَقْلِ كَالذَّرَّةِ فِي جَنْبِ أُحُدٍ وَمَا قَسَمَ اللَّهُ لِخَلْقِهِ حَظًّا أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ وَالْيَقِينِ . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَصُومُ النَّهَارَ ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ وَيَتَصَدَّقُ ، وَيَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيُشَيِّعُ الْجَنَائِزَ ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ وَلَا ، يُعْلَمُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا يُجْزَى عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ . وَقَالَ أَنَسٌ أُثْنِي عَلَى رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا خَيْرًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ عَقْلُهُ ? قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَقُولُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَفَضْلِهِ وَخُلُقِهِ ، فَقَالَ : كَيْفَ عَقْلُهُ ? فَإِنَّ الْأَحْمَقَ يُصِيبُ بِحُمْقِهِ أَعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الْفَاجِرِ . وَإِنَّمَا يَقْرُبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ شِدَّةُ عِبَادَةٍ سَأَلَ عَنْ عَقْلِهِ ، فَإِذَا قَالُوا : حَسَنٌ . قَالَ : أَرْجُوهُ ، وَإِنْ قَالُوا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ : لَنْ يَبْلُغَ . وَذُكِرَ لَهُ شِدَّةُ عِبَادَةِ رَجُلٍ فَقَالَ : كَيْفَ عَقْلُهُ ? قَالُوا : لَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ : لَنْ يَبْلُغَ صَاحِبُكُمْ حَيْثُ تَظُنُّونَ . إتحاف السادة المتقين (فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَرَّبْتَ الْأَمْرَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ أَكْثَرْتَ فِي ذِكْرِ مَدَاخِلِ الْغُرُورِ) وَآفَاتِهَا، (فَبِمَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَمَتَى (يَنْجُو الْعَبْدُ مِنَ الْغُرُورِ؟ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْجُو) مِنْهُ (بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: بِالْعَقْلِ، وَالْعِلْمِ، وَالْمَعْرِفَةِ; فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنْهَا; أَمَّا الْعَقْلُ فَأَعْنِي بِهِ الْفِطْرَةَ الْغَرِيزِيَّةَ) الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ (وَالنُّورَ الْأَصْلِيَّ الَّذِي بِهِ يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ) عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهَا، (فَالْفَطِنَةُ وَالْكَيْسُ فِطْرَةٌ، وَالْحُمْقُ وَالْبَلَادَةُ فِطْرَةٌ، وَالْبَلِيدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنَ الْغُرُورِ وَصَفَاءِ الْعَقْلِ، وَذَكَاءُ الْفَهْمِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يُفْطَرْ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ) مِنَ الْأَصْلِ (فَاكْتِسَابُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ) إِمْكَانًا عَادِيًّا، (نَعَمْ إِذَا حَصَلَ أَصْلُهُ أَمْكَنَ تَقْوِيَتُهُ بِالْمُمَارَسَةِ) وَالْمُزَاوَلَةِ، (فَأَسَاسُ السِّعَادَاتِ كُلِّهَا الْعَقْلُ، وَالْكِيَاسَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي قَسَّمَ الْعَقْلَ بَيْنَ عِبَادِهِ أَشْتَاتًا؛ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَسْتَوِي عَمَلُهُمَا وَبِرُّهُمَا وَصَوْمُهُمَا وَصَلَاتُهُمَا، وَلَكِنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الْعَقْلِ كَالذَّرَّةِ) وَهِيَ تَتَرَاءَى فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ مِنَ الْكُوَّةِ (فِي جَنْبِ أُحُدٍ) الْجَبَلِ الْمَشْهُورِ، (وَمَا قَسَمَ اللَّهُ لِخَلْقِهِ حَظًّا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ وَالْيَقِينِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ مُرْسَلًا، وَفِي أَوَّلِهِ قِصَّةٌ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ بِنَحْوٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. ا هـ . قُلْتُ: حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ لَفْظُهُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْطَلِقُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي وَصَلَاتُهُ لَا تَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، وَصَلَاتُهُ تَعْدِلُ جَبَلَ أُحُدٍ إِذَا كَانَ أَحْسَنَهُمَا عَقْلًا، قِيلَ: وَكَيْفَ يَكُونُ أَحْسَنَهُمَا عَقْلًا؟ قَالَ: أَوْرَعُهُمَا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَأَسْرَعُهُمَا عَلَى أَسْبَابِ الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْعَمَلِ وَالتَّطَوُّعِ. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ وَيَتَصَدَّقُ، وَيَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيُشَيِّعُ الْجَنَائِزَ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ، مَا يُعْلَمُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا يُجْزَى عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي التَّارِيخِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَضَعَّفَهُ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ا هـ . قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ لَفْظَهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَقْلِهِ. هَكَذَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي كِتَابَيْهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ . (وَقَالَ أَنَسٌ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَثْنَى عَلَيَّ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا خَيْرًا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَقُولُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَفَضْلِهِ وَخُلُقِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟ فَإِنَّ الْأَحْمَقَ يُصِيبُ بِحُمْقِهِ أَعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الْفَاجِرِ، وَإِنَّمَا يَقْرُبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ) رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ فِي كِتَابِ الْعَقْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ شِدَّةُ عِبَادَةٍ سَأَلَ عَنْ عَقْلِهِ، فَإِذَا قَالُوا: حَسَنٌ. قَالَ: أَرْجُوهُ، وَإِنْ قَالُوا غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ: لَنْ يَبْلُغَ. قَالَ: وَذُكِرَ لَهُ شِدَّةُ عِبَادَةِ رَجُلٍ فَقَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟ قَالُوا: لَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ: لَنْ يَبْلُغَ صَاحِبُكُمْ حَيْثُ تَظُنُّونَ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْحَكِيمُ فِي النَّوَادِرِ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَضَعَّفَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية