الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
الشطر الثاني من الكتاب في العجب .

وفيه بيان ذم العجب وآفاته ، وبيان حقيقة العجب والإدلال ، وحدهما ، وبيان علاج العجب على الجملة ، وبيان أقسام ما به العجب ، وتفصيل علاجه .

بيان ذم العجب وآفاته .

اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم   .

قال الله تعالى : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال عز وجل : وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم . وقال تعالى : وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل .

وقد يعجب الإنسان بالعمل هو مخطئ فيه ، كما يعجب بعمل هو مصيب فيه .

وقال صلى الله عليه وسلم : « ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه» وقال لأبي ثعلبة حيث ذكر آخر هذه الأمة « إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك» .

وقال ابن مسعود الهلاك في اثنتين القنوط والعجب .

وإنما جمع بينهما ؛ لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر والقانط لا يسعى ، ولا يطلب ، والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى .

فالموجود لا يطلب ، والمحال لا يطلب والسعادة موجودة في اعتقاد المعجب حاصلة له ومستحيلة في اعتقاد القانط فمن ههنا جمع بينهما .

وقد قال تعالى : فلا تزكوا أنفسكم قال ابن جريج معناه : إذا عملت خيرا فلا تقل : عملت .

وقال زيد بن أسلم لا تبروها أي : لا تعتقدوا أنها بارة ، وهو معنى العجب .

ووقى طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بنفسه ، فأكب عليه حتى أصيبت كفه فكأنه أعجبه فعله العظيم ؛ إذ فداه بروحه حتى جرح ، فتفرس ذلك عمر فيه فقال ما زال : يعرف في طلحة نأو منذ أصيبت إصبعه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والنأو هو العجب في اللغة إلا أنه لم ينقل فيه أنه أظهره واحتقر مسلما ولما كان وقت الشورى قال له ابن عباس أين أنت من طلحة ؟ قال ذلك : رجل فيه نخوة .

فإذا كان لا يتخلص من العجب أمثالهم فكيف يتخلص من الضعفاء إن لم يأخذوا حذرهم وقال ؟! مطرف لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلي من أبيت قائما وأصبح معجبا .

وقال صلى الله عليه وسلم : لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب .

فجعل العجب أكبر الذنوب .

وكان بشر بن منصور من الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى والدار الآخرة لمواظبته على العبادة فأطال الصلاة يوما ورجل خلفه ينظر ، ففطن له بشر ، فلما انصرف عن الصلاة قال له : لا يعجبنك ما رأيت مني ؛ فإن إبليس لعنه الله قد عبد الله تعالى مع الملائكة مدة طويلة ثم صار إلى ما صار إليه .

وقيل لعائشة رضي الله عنها : متى يكون الرجل مسيئا ? قالت : إذا ظن أنه محسن وقد قال ، تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى والمن نتيجة استعظام الصدقة ، واستعظام العمل  هو العجب .

فظهر بهذا أن العجب مذموم جدا .

التالي السابق



الخدمات العلمية