الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
القسم الثاني : الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها ،  وهو أيضا على ثلاث درجات :

الأولى : أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة ، كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ، ولا يطول القراءة ، فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود ، وترك الالتفات وتمم القعود بين السجدتين وقد قال ابن مسعود : « من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه عز وجل » أي إنه : ليس يبالي باطلاع الله عليه في الخلوة ، فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصلاة ومن جلس بين يدي إنسان متربعا أو متكئا ، فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة كان ذلك منه تقديما للغلام على السيد ، واستهانة بالسيد لا محالة ، وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة في الملإ دون الخلوة .

وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة ، أو من الحب الرديء فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد ؛ خوفا من مذمته ، وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث ؛ لأجل الخلق لا إكمالا لعبادة الصوم ، خوفا من المذمة ، فهذا أيضا من الرياء المحظور ؛ لأن فيه تقديما للمخلوقين على الخالق ، ولكنه دون الرياء بأصول التطوعات .

فإن قال المرائي : إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة ؛ فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة وإنما ، قصدت صيانتهم عن هذه المعصية ، فيقال له : هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس الأمر كذلك ؛ فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك ، فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر ، وما أنت في هذا إلا كمن يهدي وصيفة إلى ملك لينال منه فضلا وولاية يتقلدها ، فيهديها إليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ، ولا يبالي به إذا كان الملك وحده ، وإذا كان عنده بعض غلمانه امتنع ؛ خوفا من مذمة غلمانه ، وذلك محال ، بل من يراعي جانب غلام الملك ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر .

نعم للمرائي ، فيه حالتان :

إحداهما : أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس ، وذلك حرام قطعا .

والثانية : أن يقول : ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الركوع والسجود ، ولو خففت كانت صلاتي عند الله ناقصة وآذاني ، الناس بذمهم وغيبتهم فأستفيد ، بتحسين الهيئة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة ، فيفوت الثواب ، وتحصل المذمة ، فهذا فيه أدنى نظر .

والصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص   4فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عادته في الخلوة ، فليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله ؛ فإن ذلك استهزاء كما سبق .

الدرجة الثانية : أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ، ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته ، كالتطويل في الركوع والسجود ، ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدين ، والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال .

والزيادة في القراءة على السورة المعتادة ، وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان ، وطول الصمت ، وكاختيار الأجود على الجيد في الزكاة ، وإعتاق الرقبة الغالية في الكفارة .

وكل ذلك مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدم عليه .

الثالثة : أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا ، كحضوره الجماعة قبل القوم ، وقصده للصف الأول ، وتوجهه إلى يمين الإمام ، وما يجري مجراه .

وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى يحرم بالصلاة . فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به ، وبعضه أشد من بعض .

والكل مذموم .

التالي السابق



الخدمات العلمية