الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
بيان درجات الرياء .

اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض ،  واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه ، وأركانه ثلاثة : المراءى به ، والمراءى لأجله ، ونفس قصد الرياء .

الركن الأول : نفس قصد الرياء وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة عبادة الله تعالى والثواب ، وإما أن يكون مع إرادة الثواب ، فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب ، أو أضعف ، أو مساوية لإرادة العبادة ، فتكون الدرجات أربعا .

الأولى : وهي أغلظها ، أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي ، بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس ، فهذا جرد قصده إلى الرياء ، فهو الممقوت عند الله تعالى .

وكذلك من يخرج الصدقة ؛ خوفا من مذمة الناس ، وهو لا يقصد الثواب ولو ، خلا بنفسه لما أداها ، فهذه الدرجة العليا من الرياء .

. الثانية : أن يكون له قصد الثواب أيضا ، ولكن قصدا ضعيفا ، بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ، ولا يحمله ذلك القصد على العمل ، ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العمل ، فهذا قريب مما قبله .

وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل ، لا ينفي عنه المقت والإثم .

الثالثة : أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياء متساويين ، بحيث لو كان كل واحد منهما خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل ، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة ، أو كان كل واحد منهما لو انفرد لاستقل بحمله على العمل ، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح ، فنرجو أن يسلم رأسا برأس ، لا له ولا عليه ، أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب ، وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم ، وقد تكلمنا عليه في كتاب الإخلاص .

الرابعة : أن يكون اطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة ، ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم عليه ، فالذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ، ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ، ويثاب على مقدار قصد الثواب وأما قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى « أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح .

التالي السابق



الخدمات العلمية