الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
وأما المكدي ، فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره وقيل له : اتعب ، واعمل كما عمل غيرك فما لك والبطالة ، فلا يعطى شيئا فافتقروا ، إلى حيلة في استخراج الأموال ،  وتمهيد العذر لأنفسهم في البطالة فاحتالوا للتعلل بالعجز ; إما بالحقيقة ، كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون وإما بالتعامي ، والتفالج ، والتجانن ، والتمارض وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرحمة وجماعة يلتمسون أقوالا وأفعالا ، يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخوا برفع اليد عن قليل من المال في حال التعجب ، ثم قد يندم بعد زوال التعجب ، ولا ينفع الندم ، وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة ، والأفعال المضحكة وقد يكون بالأشعار الغريبة والكلام ، المنثور المسجع ، مع حسن الصوت والشعر الموزون أشد تأثيرا في النفس ، لا سيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة ، وفضائل أهل البيت أو الذي يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة الطبالين في الأسواق وصنعة ما يشبه العوض ، وليس بعوض ، كبيع التعويذات والحشيش الذي يخيل بائعه أنها أدوية فيخدع بذلك الصبيان ، والجهال وكأصحاب القرعة ، والفأل من المنجمين ويدخل في هذا الجنس الوعاظ والمكدون على رءوس المنابر إذا لم يكن وراءهم طائل علمي وكان غرضهم استمالة قلوب العوام وأخذ أموالهم بأنواع ، الكدية وأنواعها تزيد على ألف نوع وألفين وكل ذلك استنبط بدقيق الفكرة لأجل المعيشة ، فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت ، والكسوة ولكنهم ، نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ، ومقصودهم ومنقلبهم ، ومآبهم فتاهوا وضلوا وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا خيالات فاسدة فانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدة أوجه .

فطائفة غلبهم الجهل ، والغفلة ، فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم ، فقالوا : المقصود أن نعيش أياما في الدنيا ، فنجتهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ، ثم نكسب حتى نأكل ، فيأكلون ليكسبوا ثم يكسبون ، ليأكلوا ، وهذا مذهب الفلاحين والمحترفين ، ومن ليس له تنعم في الدنيا ، ولا قدم في الدين فإنه يتعب نهارا ليأكل ليلا ، ويأكل ليلا ليتعب نهارا ، وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت .

التالي السابق



الخدمات العلمية