الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْجَلَاجِلُ وَكَالطَّبْلِ وَالشَّاهِينِ وَالضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ وَسَائِرِ الْآلَاتِ . إتحاف السادة المتقين وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ) فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَسِيطِ الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَلَاجِلَ فَمُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَ بِجَلَاجِلَ فَوَجْهَانِ وَلَمْ يُصَحِّحْ أَحَدَهُمَا وَكَأَنَّهُ تَبِعَ شَيْخَهُ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَلَا يَحْرُمُ الدُّفُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِجَلَاجِلَ، فَإِنْ كَانَ بِجَلَاجِلَ فَوَجْهَانِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَرَامٌ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ، وَإِيرَادُ ابْنِ دِرْيَاسَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِيهِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، قَالَ: الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ الصَّنْجَاتِ وَالْجَلَاجِلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ الَّذِي كَانَ يُضْرَبُ بِهِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لَمَّا اسْتُثْنِيَ الدُّفُّ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَوَاضِعِ وَلَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ الطَّارَاتُ ذَاتُ الصُّلَاصِلِ وَالْجَلَاجِلِ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْإِطْرَابِ . (وَكَالطَّبْلِ وَالشَّاهِينِ وَالضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ وَسَائِرِ الْآلَاتِ) وَأَمَّا الطَّبْلُ بِأَنْوَاعِهِ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي الْبَسِيطِ: تُبَاعُ سَائِرُ الطُّبُولِ غَيْرَ الْكُوبَةِ، وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ طَاهِرٍ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ الطُّبُولِ كُلِّهَا غَيْرَ طَبْلِ الْحَرْبِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ: أَمَّا ضَرْبُ الطُّبُولِ فَإِنْ كَانَ طَبْلَ لَهْوٍ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ طَبْلَ حَرْبٍ فَيَجُوزُ ضَرْبُهُ وَلَا يُكْرَهُ، وَالْمَاوَرْدِيُّ قَسَّمَ الْآلَاتِ إِلَى: مُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ وَمُبَاحٍ، وَجَعَلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ طَبْلَ الْحَرْبِ، وَالْحَلِيمِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ اسْتَثْنَى طَبْلَ الْحَرْبِ وَالْعِيدِ وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ سَائِرِ الطُّبُولِ، وَلَكِنَّهُ حَصَرَ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْعِيدِ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً، وَالْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيُّ اسْتَثْنَيَا أَيْضًا طَبْلَ الْحَرْبِ وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي الْكَافِي: يَحْرُمُ طَبْلُ اللَّهْوِ، وَأَطْلَقَتْ طَائِفَةٌ الْقَوْلَ بِتَحْرِيمِ الطُّبُولِ كُلِّهَا وَلَمْ تَسْتَثْنِ، وَمِنْهُمُ الْعُمْرَانِيُّ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالْبَغَوِيُّ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالسُّهْرَوَرْدِيُّ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَأَطْلَقَ أَيْضًا ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ لَهُ، وَأَمَّا الشَّاهِينُ فَهُوَ الصِّرْنَاي، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ عِنْدَ ذِكْرِ سَائِرِ الْآلَاتِ . أَمَّا الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ وَيُسَمَّى التَّعْبِيرَ، فَلِلْعُلَمَاءِ أَيْضًا خِلَافٌ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى تَحْرِيمِهِ مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُظَفَّرِ الشَّافِعِيَّانِ وَحَكَاهُ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَإِطْلَاقَاتٌ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَإِطْلَاقَاتُ الْمَالِكِيَّةِ تَشْمَلُهُ، وَفِي فَتَاوَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حَرَامٌ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: خَلَّفْتُ بِالْعِرَاقِ شَيْئًا يُسَمَّى التَّعْبِيرَ أَحْدَثَهُ الزَّنَادِقَةُ لِيَشْغَلُوا بِهِ عَنِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، إِلَّا أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْفَوَائِدِ السَّفَرِيَّةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالَتْ: إِنَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ حَيْثُ قَوْلِهِ قَالَتِ الْفُلَانِيَّةُ وَهُوَ كَذِبٌ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى كَرَاهَتِهِ، وَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ الْعِرَاقِيُّونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ السَّامِرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ أَيْضًا: حُكْمُهُ حُكْمُ الْغِنَاءِ إِنْ كُرِهَ كُرِهَ وَإِنْ حَرُمَ حَرُمَ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَاقْتَضَاهُ إِيرَادُ الْحَلِيمِيِّ وَالْفَوْرَانِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ طَاهِرٍ، وَإِطْلَاقُ الظَّاهِرِيَّةِ يَشْمَلُهُ . وَفِي الْبَدَائِعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الضَّرْبَ بِالْقَضِيبِ وَالدُّفِّ لَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ الْعُودِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى تَفْصِيلٍ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَعَ الْغِنَاءِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا فَهُوَ مُبَاحٌ، وَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَابْنُ دِرْيَاسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْفَوَائِدِ السَّفَرِيَّةِ لِلْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِلرَّبِيعِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَكْرَهُ التَّعْبِيرَ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا، كَانَ الشَّافِعِيُّ يَسْمَعُ مِثْلَ هَذَا وَلَا يُنْكِرُهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية