الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ : الْعَاقِدُ ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ، وَاللَّفْظُ . الرُّكْنُ الْأَوَّلُ : الْعَاقِدُ يَنْبَغِي لِلتَّاجِرِ أَنْ لَا يُعَامِلَ بِالْبَيْعِ أَرْبَعَةً : الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ، وَالْعَبْدَ ، وَالْأَعْمَى لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَبَيْعُهُمَا بَاطِلٌ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الصَّبِيِّ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْوَلِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لَهُمَا ، وَمَا سَلَّمَهُ فِي الْمُعَامَلَةِ إِلَيْهِمَا فَضَاعَ فِي أَيْدِيهِمَا فَهُوَ الْمُضَيِّعُ لَهُ . إتحاف السادة المتقين (وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْعَاقِدُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ) . وَعِبَارَتُهُ فِي الْوَجِيزِ: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ. وَعِبَارَتُهُ فِي الْوَسِيطِ هِيَ: الْعَاقِدُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَصِيغَةُ الْعَقْدِ. فَلَا بُدَّ مِنْهَا; لِوُجُودِ صُورَةِ الْعَقْدِ. هَذَا لَفْظُهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الرُّكْنِ الثَّالِثِ . (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: الْعَاقِدُ) لَفْظُ الْعَاقِدِ يَنْظِمُ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِمَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ: التَّكْلِيفُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (يَنْبَغِي لِلتَّاجِرِ أَلَّا يُعَامِلَ بِالْبَيْعِ أَرْبَعَةً: الصَّبِيَّ) الصَّغِيرَ (وَالْمَجْنُونَ، وَالْعَبْدَ، وَالْأَعْمَى) الَّذِي لَا يَرَى بِعَيْنَيْهِ أَصْلًا; (لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) أَيْ: لَمْ يُكَلَّفْ بَعْدُ لِعَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ (وَكَذَا الْمَجْنُونُ) الَّذِي لَا يَعِي شَيْئًا، وَقَدْ سَتَرَ عَقْلَهُ (وَبَيْعُهُمَا بَاطِلٌ) أَيْ: لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِعِبَارَتِهِمَا، لَا لِنَفْسِهِمَا، وَلَا لِغَيْرِهِمَا . (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الصَّبِيِّ) سَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا، أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ (وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ) أَيْ: سَوَاءٌ بَاشَرَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَدُونَ إِذْنِهِ، هَذَا (عِنْدَ الشَّافِعِيِّ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَوَافَقَهُ مَالِكٌ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِ الِاخْتِبَارِ وَغَيْرِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَبَيْعِ الِاخْتِبَارِ: هُوَ الَّذِي يَمْتَحِنُهُ الْوَلِيُّ; لِيَسْتَبِينَ رُشْدُهُ عِنْدَ مُنَاهِزَةِ الْحُلَمِ، وَلَكِنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ الِاسْتِيَامُ، وَتَرْتِيبُ الْعَقْدِ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى اللَّفْظِ أَتَى بِهِ الْوَلِيُّ، وَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: تَصْحِيحُ بَيْعِ الِاخْتِبَارِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ، فِي زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدَيْنِ الِاخْتِيَارُ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ، لَمْ يَصِحَّ، إِلَّا إِذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ، بِأَنْ يُوَجَّهَ عَلَيْهِ بَيْعُ مَالِهِ، لِوَفَاءِ دَيْنٍ، أَوْ شِرَاءِ مَالٍ، أُسْلِمُ إِلَيْهِ فِيهِ، فَأَكْرَهَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، صَحَّ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ; لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٍّ . أَمَّا بَيْعُ الْمُصَادَرَةِ: فَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ . وَيَصِحُّ بَيْعُ السَّكْرَانِ، وَشِرَاؤُهُ، عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلِّفٍ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، اهـ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، وَبَاعَ، وَاشْتَرَى، بِغَيْرِ إِذَنِ الْوَلِيِّ، فَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَإِنْ بَاعَ بِإِذْنِهِ نَفَذَ، وَيَكُونُ وَكِيلًا عَنِ الْوَلِيِّ، إِذَا أُذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَمُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ، إِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، فِي مَالِ نَفْسِهِ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ بِالْغَبْنِ، فَبَاعَ، نَفَذَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْفُذُ مِنَ الْوَلِيِّ، وَوَافَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ، إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَقُولُونَ: هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، كَالْمَجْنُونِ، وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ . (وَمَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لَهُمَا، وَمَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِمَا فِي الْمُعَامَلَةِ فَضَاعَ فِي أَيْدِيهِمَا فَهُوَ الْمُضَيِّعُ لَهُ) أَيْ: لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا، وَقَبَضَ الْمَبِيعَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَكَذَا لَوِ اسْتَقْرَضَ مَالًا; لَأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُضَيِّعُ، بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَمَا دَامَا بَاقِيَيْنِ فَلِلْمَالِكِ الِاسْتِرْدَادُ . وَلَوْ سَلَّمَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ، فَعَلَى الْوَلِيِّ اسْتِرْدَادُهُ، وَالْبَائِعُ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَلِيِّ، فَلَوْ رَدَّهُ عَلَى الصَّبِيِّ لَمْ يَبْرَأْ عَنِ الضَّمَانِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ عَرَضَ الصَّبِيُّ دِينَارًا عَلَى صَرَّافٍ لِيَنْقُدَهُ، أَوْ مَتَاعًا عَلَى مُقَوِّمٍ لِيُقَوِّمَهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى وَلِيِّهِ، إِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ، وَعَلَى مَالِكِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ، فَلَوْ أَمَرَهُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ فَدَفَعَهُ، سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، إِنْ كَانَ الْمِلْكُ لِلْوَلِيِّ، وَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ فَلَا، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَالِ الصَّبِيِّ فِي الْبَحْرِ، فَفَعَلَ، يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ . وَلَوْ تَبَايَعَ صَبِيَّانِ، وَتَقَابَضَا، فَأَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا قَبَضَهُ، نُظِرَ، إِنْ جَرَى ذَلِكَ بِإِذْنِ الْوَلِيَّيْنِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى الصَّبِيَّيْنِ الضَّمَانُ; لِأَنَّ تَسْلِيمَهُمَا مَالًا يُعَدُّ تَسْلِيطًا، وَتَضْيِيعًا . وَفِي هَذَا الْفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: كَمَا لَا يَنْفُذُ بَيْعُ الصَّبِيِّ، وَشِرَاؤُهُ، لَا يَنْفُذُ نِكَاحُهُ، وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ، نَعَمْ فِي تَدْبِيرِ الْمُمَيِّزِ وَوَصِيَّتِهِ خِلَافٌ، يُذْكَرُ فِي الْوَصَايَا، فَإِذَا فَتَحَ الْبَابَ وَأَخْبَرَ عَنْ إِذَنْ أَهْلِ الدَّارِ فِي الدُّخُولِ، أَوْ أَوْصَلَ هَدِيَّةً إِلَى إِنْسَانٍ، فَأَخْبَرَ عَنْ إِهْدَاءِ مُهْدِيهَا، فَهَلْ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ؟ نَظَرٌ، إِنِ انْضَمَّتْ إِلَيْهِ قَرَائِنُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، جَازَ الدُّخُولُ، وَالْقَبُولُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَمَلٌ بِالْعِلْمِ، لَا بِقَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ، نَظَرٌ، إِنْ كَانَ عَازِمًا، غَيْرَ مَأْمُونِ الْقَوْلِ، فَلَا يُعْتَمَدُ، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: تَخْرِيجُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذُكِرَا فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالِاعْتِمَادِ، تَمَسُّكًا بِعَادَةِ السَّلَفِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَمِدُونَ أَمْثَالَ ذَلِكَ، وَلَا يُضَيِّقُونَ فِيهَا. الثَّانِيَةُ: كَمَا لَا تَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ اللَّفْظِيَّةُ، لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّ لِلْقَبْضِ مِنَ التَّأْثِيرِ مَا لَيْسَ لِلْعَقْدِ، فَلَا يُفِيدُ قَبْضُهُ الْمَوْهُوبَ لِلْمِلْكِ لَهُ، وَإِنِ اتَّهَبَ لَهُ الْوَلِيُّ، وَلَا لِغَيْرِهِ، إِذَا أَمَرَهُ الْمَوْهُوبُ مِنْهُ بِالْقَبْضِ لَهُ . وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: سَلِّمْ حَقِّي إِلَى هَذَا الصَّبِيِّ، فَسَلَّمَ قُدِّرَ حَقُّهُ، لَمْ يَبْرَأْ عَنِ الدَّيْنِ، وَكَانَ مَا سَلَّمَهُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ، ضَاعَ مِنْهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّبِيِّ; لَأَنَّ الْمَالِكَ ضَيَّعَهُ، حَيْثُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ; لِأَنَّ الدَّيْنَ مُرْسَلٌ فِي الذِّمَّةِ، لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ، لَمْ يَزَلِ الْحَقُّ الْمُطْلَقُ عَنِ الذِّمَّةِ، كَمَا إِذَا قَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: أَلْقِ حَقِّي فِي الْبَحْرِ، فَأَلْقَى قَدْرَ حَقِّهِ، لَا يَبْرَأُ عَنِ الدَّيْنِ . وَيُخَالِفُ مَا إِذَا قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ: سَلِّمْ حَقِّي إِلَى هَذَا الصَّبِيِّ، فَسَلَّمَ، خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ; لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَهُ فِي حَقِّهِ الْمُتَعَيَّنِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِهَا الْبَحْرَ، فَامْتَثَلَ . وَلَوْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ لِلصَّبِيِّ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، ضَمِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، أَوْ دُونَ إِذْنِهِ; إِذْ لَيْسَ لَهُ تَضْيِيعِهَا، وَإِنْ أَمَرَهُ الْوَلِيُّ بِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية