الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَرَادَ الْقُرْآنَ وَمَا سَبَقَ لَهُ ذِكْرٌ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أَرَادَ الشَّمْسَ وَمَا سَبَقَ لَهَا ذِكْرٌ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى أَيْ يَقُولُونَ : مَا نَعْبُدُهُمْ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ مَعْنَاهُ لَا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا يَقُولُونَ : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يُرَدْ هَذَا كَانَ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَسَبَقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ وَمِنْهَا الْمَنْقُولُ الْمُنْقَلِبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَطُورِ سِينِينَ أَيْ طُورِ سَيْنَاءَ ، سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ أَيْ عَلَى إِلْيَاسَ وَقِيلَ إِدْرِيسُ لِأَنَّ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَلَامٌ عَلَى إِدْرَاسِينَ وَمِنْهَا الْمُكَرَّرُ الْقَاطِعُ لِوَصْلِ الْكَلَامِ فِي الظَّاهِرِ ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مَعْنَاهُ : الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِمَنْ آمَنَ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وَمِنْهَا الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ وَهُوَ مَظِنَّةُ الْغَلَطِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى مَعْنَاهُ لَوْلَا الْكَلِمَةُ وَأَجَلٌ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا وَلَوْلَاهُ لَكَانَ نَصْبًا كَاللِّزَامِ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا أَيْ: يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ فَهَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ، أَيْ فَصَارَتْ أَنْفَالُ الْغَنَائِمِ لَكَ إِذْ أَنْتَ ، رَاضٍ بِخُرُوجِكَ وَهُمْ كَارِهُونَ فَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْكَلَامِ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى وَغَيْرُهُ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ الْآيَةَ . إتحاف السادة المتقين ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وَهُوَ الْمُكَنَّى الْمُضْمَرُ (أَرَادَ الْقُرْآنَ) فَكَنَّى عَنْهُ، (وَمَا سَبَقَ لَهُ ذِكْرٌ وَ) كَذَلِكَ (قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أَرَادَ) تَوَارَتِ (الشَّمْسُ) بِحِجَابِ اللَّيْلِ فَكَنَّى عَنْهَا، (وَمَا سَبَقَ لَهَا ذِكْرٌ) ، وَاخْتُلِفَ فِي حَذْفِ الْفَاعِلِ، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ للإيجاز فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي فَاعِلِ الْمَصْدَرِ، نَحْوَ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ أَيْ دُعَائِهِ الْخَيْرَ، وَجَوَّزَهُ السُّبْكِيُّ مُطْلَقًا لِدَلِيلٍ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ، حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أَيِ الشَّمْسُ، وَقَوْلُهُ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ أَيِ الرُّوحُ (وَ) مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُضْمَرِ الْمُخْتَصَرِ، (قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ ) مُضْمَرَةٌ، (أَيْ يَقُولُونَ: مَا نَعْبُدُهُمْ) ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أَيْ يَقُولُونَ: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، وَالْآيَتَانِ مِنْ أَمْثِلَةِ حَذْفِ الْقَوْلِ وَمِثْلُهُمَا، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا أَيْ يَقُولَانِ: رَبَّنَا قَالَ: أَبُو عَلِيٍّ حُذِفَ الْقَوْلُ مِنْ حَدِّثْ عَنِ الْبَحْرِ وَلَا حَرَجَ، أَيْ قُلْ وَلَا حَرَجَ، (وَ) عَلَى هَذَا وُجِّهَ (قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ مَعْنَاهُ لَا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا يَقُولُونَ: مَا أَصَابَكَ) الْآيَةَ عَلَى مَعْنَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، وَالذَّمِّ لَهُمْ، (فَإِنْ لَمْ يُرَدْ هَذَا كَانَ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ) فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَهُوَ ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) ، وَبِهِ أَحْكَمَ الْبَارِي جَلَّ وَعَزَّ ابْتِدَاءَ شَرْعِهِ وَبَيَانَهُ، (وَيَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ) إِنْ لَمْ نُقَدِّرِ الْقَوْلَ (مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ) ، أَيِ: الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَدْ هَلَكُوا لِجَهْلِهِمْ بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَظَنِّهِمْ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ شَرْعٍ، وَبَيَانٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ صَاحِبُ الْقُوتِ: وَقَرَأْتُ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا قَالُوا: مَا أَصَابَكَ . وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَالْتَمِسُوهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَتْلُوا الْآيَةَ فَيَعْنِي لِوَجْهِهَا فَيَكْفُرُ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالِّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ، (وَمِنْهَا الْمَنْقُولُ الْمُنْقَلِبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ اللَّامُ فِي مَنْ مَنْقُولَةٌ، وَالْمَعْنَى يَدْعُو مَنْ لَضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، وَمِثْلُهُ ( وَطُورِ سِينِينَ ) ، وَهُوَ مِمَّا قُلِبَ اسْمُهُ لِازْدِوَاجِ الْكَلِمِ، (أَيْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ) وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا قُلِبَ اسْمُهُ (أَيْ عَلَى إِلْيَاسَ ) عَلَيْهِ السَّلَامُ، (وَقِيلَ الْمُرَادُ) بِهِ (إِدْرِيسُ ) عَلَيْهِ السَّلَامُ، (لِأَنَّ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَيْ: مُصْحَفِهِ (سَلَامٌ عَلَى إِدْرَاسِينَ) ، أَيْ عَلَى إِدْرِيسَ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَنْقُولِ الْمُنْقَلِبِ قَوْلُهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ مَعْنَاهُ لَتَنُوءُ الْعُصْبَةُ بِهَا أَيْ: لَتَثْقُلُ بِحَمْلِهَا لِثِقَلِهَا عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أَيْ: أَعْضَاءً كَأَنَّهُمْ عَضُّوهُ فَآمَنُوا بِبَعْضٍ، وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، (وَمِنْهَا) الْمُوصِلُ (الْمُكَرَّرُ) لِلْبَيَانِ وَالتَّوْكِيدِ (الْقَاطِعُ لِوَصْلِ الْكَلَامِ فِي الظَّاهِرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ) قَوْلُهُ إِنْ يَتَّبِعُونَ مَرْدُودٌ رُدَّ لِلتَّوْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ، كَأَنَّهُ لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ أُعِيدَ لِيَقْرُبَ مِنَ الْفَهْمِ، (مَعْنَاهُ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِلَّا لِظَنِّ) اتِّبَاعِهِمُ الشُّرَكَاءَ، ظَنٌّ مِنْهُمْ غَيْرُ يَقِينٍ، (وَ) نَحْوُهُ مِنَ الْمُكَرَّرِ الْمُؤَكِّدِ، (قَوْلُهُ تَعَالَى قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مَعْنَاهُ: الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِمَنْ آمَنَ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) ، هَذَا اخْتِصَارُهُ فَلَمَّا قَدَّمَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وَكَانَ الْمُرَادُ بَعْضَهُمْ كَرَّرَ الْمُرَادَ بِإِعَادَةِ ذِكْرِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ لِلْبَيَانِ، وَمِثْلُهُ إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ فَأَدْخَلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ يَطُولُ فِي كَلَامِهِمْ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّجَاةِ بَعْضَ الْآلِ فَلَمَّا أَجْمَلَهُمْ أَخْرَجَ مُسْتَثْنًى مِنْ مُسْتَثْنَى، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْأَزْوَاجَ مِنَ الْآلِ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى امْرَأَتَهُ مِنْ آلِهِ، وَمِنَ الْمُكَرَّرِ لِلتَّوْكِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ مُخْتَصَرُهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْمُخْتَصَرِ الْمُضْمَرِ مِمَّا أُضْمِرَ فِيهِ الِاسْمُ، وَحُذِفَ مِنْهُ الْفِعْلُ وَهُوَ غَرِيبٌ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ الْإِسْرَائِيلِيُّ أَنْ يَبْطِشَ مُوسَى بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا فَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ فَهَذَا حِينَئِذٍ مَنْ أَخْصَرِ الْكَلَامِ، وَأَوْجَزِهِ، وَمِنَ الْمُكَرَّرِ الْمُؤَكِّدِ قَوْلُهُ تَعَالَى فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً مَفْهُومُهُ، وَجَائِزُهُ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ قُوَّةً فَوَصَلَهُ بِمِنْ وَوَكَّدَ بِكَانَ، وَعَمَدَ بِهُمْ . قَالَ صَاحِبُ الْقُوتِ: وَقَرَأْتُهَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ قُوَّةً، لَيْسَ فِيهَا كَانُوا، وَلَا قَوْلُهُ: هُمْ، وَبِمَعْنَاهُ وَإِنْ قُصِرَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا هَذَا مِمَّا يَطُولُ لِلْبَيَانِ، وَالْمَعْنَى لَجَعَلْنَا لِبُيُوتِ مَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، فَلَمَّا قَدَّمَ مَنْ وَهِيَ أَسْمَاءُ مَنْ يَكْفُرُ أُعِيدَ ذِكْرُ الْبُيُوتِ مُؤَخَّرًا ، (وَمِنْهَا الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ) لِحُسْنِ تَأْلِيفِ الْكَلِمِ، وَمَزِيدِ الْبَيَانِ، (وَهُوَ مَظِنَّةُ الْغَلَطِ) ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَشْكُلُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَفْصَحُ، وَهَذَا النَّوْعُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، وَهُوَ جَدِيرٌ أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّصْنِيفِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ السَّلَفُ فِي آيَاتٍ مِنْهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، فَقَالَ: (كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ) ، أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا مِنْ تَقَادِيمِ الْكَلَامِ، (مَعْنَاهُ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ وَأَجَلٌ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا) ، وَبِهِ ارْتِفَاعُ الْأَجَلِ (وَلَوْلَاهُ لَكَانَ نَصْبًا كَاللِّزَامِ) ، فَأُخِّرَ لِتَحْسِينِ اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ: هَذَا مِنْ تَقَادِيمِ الْكَلَامِ تَقُولُ: لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ قَالَ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُتَوَفِّيكَ . وَأَخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ قَالَ: وَهَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ يَقُولُ لَهُمْ يَوْمَ الْحِسَابِ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا، وَأَخْرَجَ جَرِيرٌ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُقَدِّمَةٌ، وَمُؤَخِّرَةٌ، إِنَّمَا هِيَ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَمْ يَنْجُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْقُوتِ قَوْلُهُ إِلَّا قَلِيلًا هُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَآخِرُ الْكَلَامِ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ فِي اسْتِثْنَائِهِ مِنَ الْأَوَّلِ بُعْدًا قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ، وَصَارَ آخِرُ الْكَلَامِ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أَصْلًا . وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً قَالَ: إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا اللَّهَ جَهْرَةً فَقَدْ رَأَوْهُ، إِنَّمَا قَالُوا: جَهْرَةً أَرِنَا اللَّهُ، قَالَ: هُوَ مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ سُؤَالَهُمْ كَانَ جَهْرَةً، فَهَذِهِ الْآيَاتُ مِمَّا تَكَلَّمَ فِيهَا السَّلَفُ، (وَ) مِمَّا ذَكَرَ صَاحِبُ الْقُوتِ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْبَابِ (قَوْلُهُ تَعَالَى لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ فَهَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ) ، أَيْ لَيْسَ هَذَا مِنْ صِلَةِ الْكَلَامِ، (وَإِنَّمَا هُوَ) مُقَدَّمٌ (عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، أَيْ فَصَارَتْ أَنْفَالُ الْغَنَائِمِ لَكَ إِذَا خَرَجْتَ، وَأَنْتَ رَاضٍ بِخُرُوجِكَ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: إِذَا أَنْتَ رَاضٍ بِإِخْرَاجِكَ، (وَهُمْ كَارِهُونَ فَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْكَلَامِ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى وَغَيْرُهُ) ، كَالْإِعْلَامِ وَالْوَصْفِ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ فَأَشْكَلَ فَهْمُهُ، (وَ) عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ تَعَالَى حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ) لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ الْآيَةَ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ فَقَدِ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ عِنْدَ قَوْلِهِ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي قَالُوا: فَهَلَّا تَسْتَغْفِرُ لِآبَائِنَا الْمُشْرِكِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِيَسْتَثْنِيَ الْقُدْوَةَ بِإِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا، ثُمَّ نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُخْرَى مَعْذِرَةً لَهُ لِوَعْدِهِ إِيَّاهُ إِلَى أَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ الْآيَةَ (وَ) مِثْلُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْقُرْبِ (قَوْلُهُ تَعَالَى يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا أَيْ: يَسْئَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ) وَمِثْلُهُ، أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ . وَمِمَّا ذَكَرَ صَاحِبُ الْقُوتِ فِي أَمْثِلَةِ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ، اخْتِصَارُهُ وَمُوجَزُهُ، مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ، وَشَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ وَكَدَّ بِقَوْلِهِ: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا لَمَّا اسْتَثْنَى الْمُكْرَهَ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِإِيمَانِهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْمُكْرَهَ آخِرَ الْكَلَامِ لِئَلَّا يَلِيَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُ خَبَرُهُ، وَجَعَلَ آخِرَ الْكَلَامِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُقَدَّمُ خَبَرٍ لِلْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ فَأُخِّرَ لِيَلِيَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ وَصْفِهِمْ، فَيَكُونُ هَذَا أَحْسَنَ فِي تَأْلِيفِ الْكَلَامِ، وَسِيَاقِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ هَذَا مِنَ الْمَعْطُوفِ الْمُضْمَرِ، وَمِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ فَعَاطَفَهُ قَوْلُهُ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَضَمِيرُهُ قَوْلُهُ: وَعِلْمُ قِيلِهِ، وَالْمَعْنَى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَعِلْمُ قِيلِهِ يَا رَبِّ، عَلَى حَرْفِ مَنْ كَسَرَ اللَّامَ، فَأَمَّا مَنْ نَصَبَهَا فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ أَيْضًا، وَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى، وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيَعْلَمُ قِيلَهُ يَا رَبِّ، وَأَمَّا مَنْ رَفَعَ اللَّامَ فَتَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً عَلَى الْخَبَرِ، وَجَوَابُهَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ أَيْ قَوْلُكَ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ، وَقَدْ تَكُونُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ : وَقِيلِهِ لِلْجَمْعِ مَضْمُومَةً إِلَى عِلْمِ السَّاعَةِ، وَالْمَعْنَى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَعِنْدَهُ قِيلُهُ يَا رَبِّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعِنْدَ، فَهَذَا مَجَازُ هَذِهِ الْمَقَارِي الثَّلَاثِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَمِثْلُهُ مِمَّا حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا مُتْبَعَةً لِجَعَلَ ظَاهِرٌ، أَوْ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ فِي مَقْرَإِ مَنْ نَصَبَ اللَّامَ مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَى الْغَسْلِ مِنْ قَوْلِهِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ أَيْضًا، وَمَنْ قَرَأَ: وَأَرْجُلِكُمْ خَفْضًا عَلَى إِتْبَاعِ الْإِعْرَابِ مِنْ قَوْلِهِ بِرُءُوسِكُمْ فَأَتْبَعَ الْإِعْرَابَ الْإِعْرَابَ قَبْلَهُ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ، وَمِنَ الْمُؤَخَّرِ بَعْدَ تَوَسُّطِ الْكَلَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فِي قِرَاءَةِ مَنْ وَحَّدَ الْفِعْلَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ جَمَعَ، فَقَالَ: لَتَرْكَبُنَّ، وَيَكُونُ الْإِنْسَانُ فِي مَعْنَى النَّاسِ، وَيَكُونُ الْجَمْعُ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا وَحَّدَ لِلْجِنْسِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَأَخَّرَ هَذَا الْخَبَرَ لِمَا تَوَسَّطَهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِالْقِصَّةِ، وَمَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إِلَى آخِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ قَالَ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ يَعْنِي مَجَاعَةً إِلَى هُنَا نَصُّ مَا فِي الْقُوتِ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا أَشْكَلَ مَعْنَاهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ قَوْلَهُ تَعَالَى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَذَا أَوَّلُ الْقِصَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي التِّلَاوَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَالْأَصْلُ هَوَاهُ إِلَهَهُ; لِأَنَّ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى وَالْمَعْنَى أَخْرَجَهُ أَحَوَى أَيْ أَخْضَرَ فَجَعَلَهُ غُثَاءً، وَأُخِّرَ رِعَايَةً لِلْفَاصِلَةِ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى وَغَرَابِيبُ سُودٌ الْأَصْلُ سُودٌ غَرَابِيبُ; لِأَنَّ الْغِرْبِيبَ الشَّدِيدُ السَّوَادِ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا أَيْ فَبَشَّرْنَاهَا فَضَحِكَتْ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ قِيلَ الْمَعْنَى عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، وَعَلَى هَذَا فَالْهَمُّ يُنْفَى عَنْهُ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الصَّائِغِ فِي كِتَابِهِ الْمُقَدِّمَةِ فِي سِرِّ الْأَلْفَاظِ الْمُقَدَّمَةِ تَفَاصِيلَ لِأَسْبَابِ التَّقْدِيمِ وَأَسْرَارِهِ، وَقَالَ: ظَهَرَ لِي مِنْهَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ . الْأَوَّلُ: التَّبَرُّكُ، الثَّانِي: التَّعْظِيمُ، الثَّالِثُ: التَّشْرِيفُ، الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ لِسِيَاقِ الْآيَةِ، الْخَامِسُ: الْحَثُّ عَلَيْهِ حَذَرًا مِنَ التَّهَاوُنِ بِهِ، السَّادِسُ: السَّبْقُ وَهُوَ مَا فِي الزَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْإِيجَادِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْإِنْزَالِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ، وَالتَّكْلِيفِ، السَّابِعُ: السَّبَبِيَّةُ، الثَّامِنُ: الْكَثْرَةُ، التَّاسِعُ: التَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، الْعَاشِرُ: التَّدَلِّي مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، ثُمَّ ذَكَرَ لَهَا أَمْثِلَةً وَأَطَالَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا الْكَلَامَ وَزَادَ أَسْبَابًا أُخَرَ، مِنْهَا كَوْنُهُ أَدَلَّ عَلَى الْقُدْرَةِ وَأَعْجَبَ، وَمِنْهَا رِعَايَةُ الْفَوَاصِلِ، وَمِنْهَا إِفَادَةُ الْحَصْرِ لِلِاخْتِصَاصِ، وَقَدْ يُقَدَّمُ لَفْظٌ فِي مَوْضِعٍ وَيُؤَخِّرُ فِي آخَرَ، وَنُكْتَةُ ذَلِكَ إِمَّا لِكَوْنِ السَّابِقِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَقْتَضِي مَا وَقَعَ فِيهِ، وَإِمَّا لِقَصْدِ الْبَدَاءَةِ، وَالْخَتْمِ بِهِ لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ، وَإِمَّا لِقَصْدِ التَّفَنُّنِ فِي الْفَصَاحَةِ، وَإِخْرَاجِ الْكَلَامِ عَلَى عِدَّةِ أَسَالِيبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية