الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْبَابُ الثَّانِي . فِي ظَاهِرِ آدَابِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ عَشْرَةٌ : الْأَوَّلُ فِي حَالِ الْقَارِئِ . وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوُضُوءِ وَاقِعًا عَلَى هَيْئَةِ الْأَدَبِ وَالسُّكُونِ إِمَّا قَائِمًا وَإِمَّا جَالِسًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُطْرِقًا رَأْسَهُ غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ وَلَا مُتَّكِئٍ وَلَا جَالِسٍ عَلَى هَيْئَةِ التَّكَبُّرِ وَيَكُونُ جُلُوسُهُ وَحْدَهُ كَجُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْ أُسْتَاذِهِ . وَأَفْضَلُ الْأَحْوَالِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ . فَإِنْ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَكَانَ مُضْطَجِعًا فِي الْفِرَاشِ فَلَهُ أَيْضًا فَضْلٌ ، وَلَكِنَّهُ دُونَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَأَثْنَى عَلَى الْكُلِّ وَلَكِنْ قَدَّمَ الْقِيَامَ فِي الذِّكْرِ ثُمَّ الْقُعُودَ ثُمَّ الذِّكْرَ مُضْطَجِعًا . قَالَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً ، وَمَنْ قَرَأَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ ، وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَسَنَةً ، وَمَنْ قَرَأَهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَعَشْرُ حَسَنَاتٍ . وَمَا كَانَ مِنَ الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ فَهُوَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَفْرَغُ لِلْقَلْبِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ : كَثْرَةَ السُّجُودِ بِالنَّهَارِ وَإِنَّ طُولَ الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ . إتحاف السادة المتقين (الْبَابُ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ آدَابِ التِّلَاوَةِ ) . (وَهِيَ عَشْرَةٌ: الْأَوَّلُ فِي حَالِ الْقَارِئِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى) أَكْمَلِ حَالَاتِ الطَّهَارَةِ فَيَغْتَسِلَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيَتَطَيَّبَ وَيَتَبَخَّرَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ عِنْدَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى (الْوُضُوءِ) ، وَالتَّيَمُّمُ يَنُوبُ عَنْهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ تَعْظِيمًا وَتَطْهِيرًا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ، لَوْ قُطِعَ الْقُرْآنُ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ فَمُقْتَضَى اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ إِعَادَةُ السِّوَاكِ أَيْضًا، (وَاقِفًا عَلَى) أَحْسَنِ (هَيْئَةِ الْأَدَبِ وَالسُّكُونِ) فِي نَفْسِهِ وَتَسْكِينِ الْأَطْرَافِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ (إِمَّا قَائِمًا) عَلَى قَدَمَيْهِ (وَإِمَّا جَالِسًا) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ، إِذْ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ، (مُطْرِقًا رَأْسَهُ) فَإِنْ كَانَ مُتَطَيْلِسًا فَهُوَ الْأَحْسَنُ إِذْ هُوَ الْخَلْوَةُ الصُّغْرَى (غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ) عَلَى قُرْفُصَاهُ (وَلَا مُتَّكِئٍ) عَلَى وِسَادَةٍ أَوْ جِدَارٍ، أَوْ شَبَهِهِمَا (وَلَا جَالِسًا عَلَى هَيْئَةِ التَّكَبُّرِ) بِأَنْ يَجْعَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، (وَيَكُونُ جُلُوسُهُ وَحْدَهُ) لِكَوْنِهِ يَخْتَلِي بِرَبِّهِ (كَجُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْ أُسْتَاذِهِ) عَلَى غَايَةِ الْمَهَابَةِ . (وَأَفْضَلُ الْأَحْوَالِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا) سَوَاءٌ كَانَتْ فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا (وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ) ، لِشَرَفِ الْمَكَانِ وَكَرِهَ قَوْمٌ الْقِرَاءَةَ فِي الْحَمَّامِ، وَلِطَرِيقٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَذْهَبُنَا لَا تُكْرَهُ فِيهِمَا قَالَ: وَكَرِهَهَا. . الشَّعْبِيُّ فِي الْحُشِّ، وَبَيْتِ الرَّحَا، وَهِيَ تَدُورُ، قَالَ: وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا (فَإِنْ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَكَانَ مُضْطَجِعًا فِي الْفِرَاشِ) ، وَهُوَ فِي الْبَيْتِ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ قِيَامِ الْمَانِعِ، (فَلَهُ أَيْضًا فَضْلٌ، وَلَكِنَّهُ دُونَ ذَلِكَ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي مَدْحِ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ وَهُوَ يَشْمَلُ التَّالِينَ ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ) أَيْ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِمْ ( قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ) أَيْ: مُضْطَجِعِينَ عَلَيْهَا ( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَأَثْنَى عَلَى الْكُلِّ) فِي مَعْرِضٍ وَاحِدٍ، (وَلَكِنْ قَدَّمَ الْقِيَامَ فِي الذِّكْرِ) فَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ (ثُمَّ الْقُعُودُ) فِيهِ، (ثُمَّ الذِّكْرُ مُضْطَجِعًا ) فَفَضَّلَ تِلْكَ الْحَالَاتِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ . قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ لِلْمُحْدِثِ; لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْحَدَثِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ، وَإِذَا كَانَ يَقْرَأُ فَعَرَضَتْ لَهُ رِيحٌ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَسْتَتِمَّ خُرُوجُهَا، وَأَمَّا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْقُرْآنُ، نَعَمْ يَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَإِيرَادُهُ عَلَى الْقَلْبِ، وَأَمَّا الْمُتَنَجِّسُ الْفَمُ فَتُكْرَهُ لَهُ الْقِرَاءَةُ . وَقِيلَ: تَحْرُمُ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ بِالْيَدِ النَّجِسَةِ (قَالَ عَلِيُّ) بْنُ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَرَأَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَرَأَهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَعَشْرُ حَسَنَاتٍ) ، وَهَذَا قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ وَمَنْ قَرَأَهُ قَاعِدًا كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَرَأَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةُ، (وَمَا كَانَ مِنَ الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ فَهُوَ أَفْضَلُ; لِأَنَّهُ أَفْرَغُ لِلْقَلْبِ) مِنَ الْأَشْغَالِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِالنَّهَارِ . مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَفَعَهُ: مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِآخِرِ اللَّيْلِ، فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَفَعَهُ قَالَ: أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لْيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِالْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ (قَالَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّ كَثْرَةَ السُّجُودِ بِالنَّهَارِ وَإِنَّ طُولَ الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ ) . هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كُلٍّ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ وَطُولِ الْقِيَامِ أَخْبَارٌ حِسَانٌ، تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية