الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ فَصُولٍ . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ الظَّاهِرَةِ وَاللَّوَازِمِ بِإِفْسَادِهِ . أَمَّا الْوَاجِبَاتُ الظَّاهِرَةُ فَسِتَّةٌ . الْأَوَّلُ مُرَاقَبَةُ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنْ غُمَّ فَاسْتِكْمَالُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ . وَنَعْنِي بِالرُّؤْيَةِ الْعِلْمَ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ إِلَّا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ . وَمَنْ سَمِعَ عَدْلًا وَوَثِقَ بِقَوْلِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهِ ، فَلْيَتَّبِعْ كُلُّ عَبْدٍ فِي عِبَادَتِهِ مُوجِبَ ظَنِّهِ إتحاف السادة المتقين وَالْكَلَامُ عَلَى جُمْلَةِ الْمُفْطِرَاتِ فِي شُرُوعِ كُلِّ صَوْمٍ عَلَى الِاخْتِصَارِ وَالتَّقْرِيبِ (وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ فَصُولٍ) : (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ الظَّاهِرَةِ وَاللَّوَازِمِ بِإِفْسَادِهِ ، أَمَّا الْوَاجِبَاتُ الظَّاهِرَةُ فَسِتَّةٌ) : (الْأَوَّلُ مُرَاقَبَةُ) أَيِ انْتِظَارُ (أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ) وَذَلِكَ بِالْتِمَاسِ هِلَالِهِ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا كَمَا فِي الْخَبَرِ : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ خَنَسٍ . يَعْنِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، فَيَجِبُ طَلَبُهُ لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ (فَإِنْ غُمَّ) بِعِلَّةٍ كَالْغَيْمِ وَالْغُبَارِ وَنَحْوِهِمَا (فَبِاسْتِكْمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ) لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : لَا تَصُومُوا رَمَضَانَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ . وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ الصَّوْمُ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ عَدْلًا ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : لَا يَصُومُ إِلَّا بِرُؤْيَةِ غَيْرِهِ مَعَهُ .. أَ هَـ . . وَكَذَا إِذَا لَمْ يَرَهُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ أُخْبِرَ بِهِ ، فَحَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَنَعْنِي بِالرُّؤْيَةِ الْعِلْمَ) الشَّرْعِيَّ الْمُوجِبَ لِلْعِلْمِ ، وَهُوَ غَلَبَةُ الظَّنِّ ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَيْضًا لَا بِمُعَيَّنِ الْيَقِينِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا (وَيَحْصُلُ ذَلِكَ) الْعِلْمُ (بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ) عَلَى الْأَظْهَرِ الْمَنْصُوصِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ . الْقَوْلُ الثَّانِي : لَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ . قَالَ الْأَسْنَوِيُّ : وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمُتَأَخِّرُ ؛ فَفِي الْأُمِّ : لَا يَجُوزُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ إِلَّا شَاهِدَانِ . وَنَقَلَ الْبَلْقِينِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ بَعْدُ فَقَالَ : لَا يُصَامُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ . فَإِنْ قُلْنَا : لَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَلَا مَدْخَلَ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَيَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ ، وَلَكِنَّهَا شَهَادَةُ حِسْبَةٍ لَا ارْتِبَاطَ لَهَا بِالدَّعْوَى ، وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ : أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَالرُّويَانِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا . فَإِنْ قَبِلْنَا الْوَاحِدَ فَهَلْ هُوَ بِطْرِيقِ الرِّوَايَةِ ؟ أَمِ الشَّهَادَةِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا شَهَادَةٌ . فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ، وَإِنْ قُلْنَا رِوَايَةً قُبِلَا ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي كَوْنِهِ رِوَايَةً أَوْ شَهَادَةً . وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ قَطْعًا . وَإِذَا قُلْنَا رِوَايَةً ، فَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَوْثُوقِ بِهِ طَرِيقَانِ ؛ أَحَدُهُمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ . وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ (وَلَا يَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ إِلَّا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ) وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ . قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : وَلَوْ قُلْتُ بِهِ لَمْ أَكُنْ مُبْعِدًا (وَمَنْ سَمِعَ عَدْلًا وَوَثِقَ بِقَوْلِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ لَزِمَ الصَّوْمُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي ، فَلْيَتَّبِعْ كُلُّ عَبْدٍ فِي عِبَادَتِهِ مُوجِبَ ظَنِّهِ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدَانَ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، وَلَمْ يُفَرِّعُوهُ عَلَى شَيْءٍ ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِزَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ وَصَدِيقِهِ ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ : إِذَا أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ بِالرِّوَايَةِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَفَرَّعَاهُ عَلَى أَنَّهُ رِوَايَةٌ ، وَاتَّفَقُوا عَلَّ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْفَاسِقِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَكِنْ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ اشْتَرَطْنَا الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُصْحِبَةً أَوْ مُغَيِّمَةً ، وَهَلْ يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ ؛ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْحُدُودِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِثُبُوتِهِ كَالزَّكَاةِ وَإِتْلَافِ حُصْرِ الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْحُدُودِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْإِسْقَاطِ فَعَلَى هَذَا عَدَدُ الْفُرُوعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأُصُولِ ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ فِي الْأُصُولِ فَحُكْمُ الْفُرُوعِ حُكْمُهُمْ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ ، فَإِنْ قُلْنَا طَرِيقُهُ الرِّوَايَةُ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : يَكْفِي وَاحِدٌ لِرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ ، وَالثَّانِي : لَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ . قَالَ فِي التَّهْذِيبِ : وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ عَنْ كُلِّ وَجْهٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُشْتَرَطُ إِخْبَارُ حُرَّيْنِ ذَكَرَيْنِ ؟ أَمْ يَكْفِي امْرَأَتَانِ وَعَبْدَانِ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ، وَإِذَا قُلْنَا طَرِيقُهُ الشَّهَادَةُ ، فَهَلْ يَكْفِي وَاحِدٌ ؟ أَمْ يُشْتَرَطُ اثْنَانِ ؟ وَجْهَانِ . وَقَطَعَ فِي التَّهْذِيبِ بِاشْتِرَاطِ اثْنَيْنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية