الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
القراءة .

ثم يبتدئ بدعاء الاستفتاح  وحسن أن يقول عقب قوله " الله أكبر ": الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، وجهت وجهي إلى قوله : وأنا من المسلمين ، ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ، اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ، ولا إله غيرك ، ليكون جامعا بين متفرقات ما ورد في الأخبار .

التالي السابق


وقد روي الاستفتاح بسبحانك اللهم عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا منهم ابن مسعود، أخرج حديثه الطبراني في الدعاء بسندين إليه، وأشار البيهقي إلى أنه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومنهم أنس بن مالك، أخرج حديثه أبو يعلى والدارقطني، والطبراني، كلهم من رواية حميد عنه، والطبراني أيضا من وجه آخر عن أنس من غير رواية حميد، ومنهم واثلة بن الأسقع، والحكم بن عمير، وعمرو بن العاص، أخرج حديثهم الطبراني في "المعجم الكبير"، ومنهم جابر بن عبد الله، أخرج حديثه البيهقي بسند جيد، ومنهم عمر بن الخطاب، روي عنه موقوفا ومرفوعا، أما الأول: فأخرج الحاكم من طريق شعبة عن الحكم عن عتيبة عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد "أن عمر رضي الله عنه حين افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم، إلى، ولا إله غيرك". وأخرجه الدارقطني من رواية أبي معاوية ومحمد بن فضيل، وحفص بن غياث، ثلاثتهم عن الأعمش، زاد ابن فضيل: وعن حصين بن عبد الرحمن، كلاهما عن إبراهيم النخعي، فذكر مثله. وزاد هارون بن إسحاق أحد رواته عن محمد بن فضيل في روايته: "يسمعنا ذلك ليعلمنا" قال الدارقطني : هذا صحيح عن عمر من قوله .

وأما الثاني -أي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم- فأخرجه الدارقطني أيضا من رواية عبد الرحمن بن عمرو بن شيبة عن أبيه، عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ورواه يحيى بن أيوب عن عمر [ ص: 45 ] ابن شيبة عن نافع عن ابن عمر موقوفا على عمر، وهو الصواب .



(تنبيه) :

في تفسير دعاء الاستفتاح، وقد روي عن أبي حنيفة أنه إن قال: سبحانك اللهم وبحمدك، من غير واو، فقد أصاب الجواز، ونقل الحلواني عن مشايخه: إن قال: وجل ثناؤك لم يمنع، وإن سكت لم يؤمر، ولا يزيد على هذا في الفرض، وتقدم أن أبا يوسف يرى الجمع بينه وبين دعاء التوجه، وأنه يبدأ بأيهما شاء، واستدل بحديث جابر المتقدم، قلنا: إنه محمول على حالة التهجد، والأمر فيه واسع، وإذا قرأ التوجه في صلاة الليل وغيرها من النوافل فمخير بين أن يقول: وأنا أول المسلمين، وبين أن يقول: وأنا من المسلمين، على الأصح، فإذا علمت ذلك فاعلم أن معنى قوله "سبحانك اللهم": إني أسبحك بجميع آلائك، وقوله: "وبحمدك": أي نحمدك بحمدك، ولك الحمد على ما وفقتني من التسبيح، والتسبيح إثبات صفات الكمال لله تعالى، والحمد إظهارها، وبهذا يظهر وجه تقديم أحدهما على الآخر، وهو في المعنى عطف الجملة على الجملة، فحذفت الثانية، وهي قوله: لك الحمد، كالأولى، وهي قوله: نحمدك، وأبقي حرف العطف داخلا على متعلق الجملة الأولى مرادا به الدلالة على الحالية من الفاعل، فهو في موضع نصب على الحالية منه، فكأنه إنما أبقي ليشعر بأنه قد كان هنا جملة طوي ذكرها إيجازا، على أنه لو حذف حرف العطف كان جائزا، لا يخل بالمعنى المقصود، وعن الخطابي: أخبرني الحسن بن خلال قال: سألت الزجاج عن العلة في ظهور الواو في قوله "وبحمدك" فقال: سألت المبرد عما سألت عنه، وقال: سألت المازني عما سألتني عنه فقال: سبحانك اللهم بجميع آلائك، وبحمدك سبحتك، وقوله: تبارك اسمك، أي: دام، وتعالى اسمك بين الأسماء، وقيل: دام خير اسمك لدلالته على الذات السبوحية القدسية، و"تبارك" مطاوع بارك، لا يتصرف فيه، ولا ينصرف، ولا يستعمل إلا في الله تعالى، وقوله "وتعالى جدك" أي: ارتفع سلطانك أو عظمتك أو غناك عما سواك، وقوله: "ولا إله غيرك" أي: في الوجود، فأنت المعبود بحق، فبدأ بالتنزيه الذي يرجع إلى التوحيد، ثم ختم بالتوحيد ترقيا في الثناء على الله تعالى من ذكر النعوت السلبية، والصفات الثبوتية إلى غاية الكمال في الجلال والجمال، وسائر الأفعال، وهو الانفراد بألوهيته وما يختص به من الأحدية والصمدية، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وفي الباب أدعية أخرى للاستفتاح لم يذكرها المصنف، وقد نشير إليها لتمام الفائدة، فمن ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري، وتقدم الوعد به، وهو من حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت بين التكبير والقراءة إسكاتة.

وفي رواية: هنيهة، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالثلج والماء والبرد". أخرجه البخاري عن موسى بن إسماعيل، والدارمي عن بشر بن آدم، وأبو نعيم من رواية أبي كامل الجحدري، والعباس بن الوليد، أربعتهم عن عبد الواحد بن زياد، وأخرجه مسلم عن أبي كامل الجحدري، وأبي بكر بن أبي شيبة، قال عبد الواحد وابن أبي شيبة : حدثنا محمد بن فضيل، وأخرجه أحمد عن محمد بن فضيل، وعن جرير بن عبد الحميد، كلاهما عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم أيضا، والنسائي وابن خزيمة من رواية جرير، وأبو نعيم من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، ومن ذلك ما رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك، ظلمت نفسي وعملت سوءا، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وجهت وجهي" فذكره إلى قوله: "المسلمين". أخرجه البيهقي من طريق هشيم عن شعبة عن أبي إسحاق، والله أعلم .




الخدمات العلمية