الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            فَصْلٌ [فِي مَعْنَى الْإِكْرَاهِ] وَالْإِكْرَاهُ هُوَ مَا يُنْزَلُ بِجِسْمِ الْمُكْرَهِ مِنْ مُثْلَةٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ تَضْيِيقٍ بِقَيْدٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ يَتَّقِي أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يُهَدِّدَهُ بِقَتْلٍ أَوْ بِقَطْعٍ أَوْ بِضَرْبٍ أَوْ تَقْيِيدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّهْدِيدِ بِالسَّجْنِ، وَأَرَاهُ إِكْرَاهًا فِي ذَوِي الْأَقْدَارِ، وَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ فِي غَيْرِهِمْ، إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ يُهَدَّدَ بِطُولِ الْمُقَامِ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ لِيَدْفَعَ عَنْ مَالِهِ خَاصَّةً، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أُخِذَ مِنْهُ، أَوْ لِيَدْفَعَ عَنْ غَيْرِهِ أَذًى فِي جِسْمٍ أَوْ مَالٍ، فَقِيلَ: هُوَ مُكْرَهٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنْ قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ احْلِفْ لِي عَلَى كَذَا وَإِلَّا أَغَرَّمْتُكَ مَالًا كَذَا أَوْ عَاقِبَتُكَ فِي غَيْرِ بَدَنِكَ عُقُوبَةً تُوجِعُكَ فَيَحْلِفُ دَرَاءَةً عَنْ مَالِهِ فَهُوَ حَانِثٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي عَلَى كَذَا وَإِلَّا عَاقَبْتُ وَلَدَكَ أَوْ بَعْضَ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُهُ فَيَحْلِفُ لَهُ كَاذِبًا فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنَّمَا يُعْذَرُ بِالدَّرَّاءَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَسَعُهُ الدَّرَاءَةُ عَنْ مَالِهِ بِيَمِينِهِ وَلَا يَحْنَثُ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ فَإِذَا جَاءَ مِثْلُ السُّلْطَانِ يَجْتَاحُ مَالَ الرَّجُلِ وَالْقَوْمُ يَتَعَرَّضُونَ لِمَالِهِ فَلَا تَلْزَمُ الْيَمِينُ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ الْيَمِينُ إِذَا كَانَ دَرَاءَةً لِئَلَّا يُعَاقَبُ وَلَدُهُ، وَيُخْتَلَفُ عَلَى هَذَا إِذَا مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ بِجَارِيَةٍ، فَقَالَ: مَعِي حُرَّةٌ لِئَلَّا يُغَرِّمُهُ عَلَيْهَا، فَأَبَى أَنْ يَتْرُكَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَتْ أَمَةً فَهِيَ حُرَّةٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ: تُعْتَقُ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: لَا تُعْتَقُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ حُرِّيَّتَهَا. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ نَوَى الْحُرِّيَّةَ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَنْوِيَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إِذَا كَانَ عَامِّيًّا يَجْهَلُ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مُهْلَةٌ لِيُخْرِجَ النِّيَّةَ وَيَجْعَلَهُ لَفْظًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَوْ مَرَّ عَلَى مَنْ يُغَرِّمُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَا يُغَرِّمُ عَلَى الْأَمَةِ، فَقَالَ فِي زَوْجَتِهِ: هِيَ أَمَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَتْرُكَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَتْ زَوْجَةً فَهِيَ طَالِقٌ، لَاخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: قُلْتُ: فَأَخَذَ بَعْضَ مَالِي إِذَا أَنَا لَمْ أَحْلِفْ أَخَذَهُ، قَالَ: هُوَ مِمَّا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ خَوْفِ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّكَ إِنْ لَمْ تَدْفَعْ إِلَيْهِ ضَرَبَكَ وَحَبَسَكَ عَلَى مَالِكَ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْكَ حَتَّى تَدْفَعَهُ أَنْتَ إِلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَسْأَلَةِ أَصْبَغَ وَمَسْأَلَةِ الْمُعَاشِرِ; لِأَنَّ الْمَالَ فِي الْأُولَى ظَاهِرٌ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَخَذَهُ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْمَالِ غَائِبٌ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُ أَلَّا شَيْءَ عِنْدَهُ عَاقَبَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ، وَالْيَمِينُ هَا هُنَا يَدْرَأُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي السَّاعِي يَحْلِفُ الرَّجُلُ عَلَى عِدَّةِ غَنَمِهِ لِيَأْخُذَ مِنْهَا الصَّدَقَةَ أَوْ فِي غَيْرِ الْغَنَمِ مِمَّا يُأْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، فَإِنْ كَانَ الْوَالِي لَا يَتَعَدَّى فِيمَا يَأْخُذُ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى فِي وَضْعِهَا غَيْرَ مَوْضِعِهَا، فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَهُ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِضَرْبٍ أَوْ وَعِيدٍ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى فِيمَا يَأْخُذُ فَيَزِيدُ عَلَى مَا افْتُرِضَ، أَوْ يَأْخُذُ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْأَخْذِ، فَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ أَزْرَعْ، أَوْ مَا لِي مَاشِيَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يُعَاقِبُهُ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ، يُرِيدُ: وَإِنَّمَا يُغَرِّمُهُ مَالًا لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، فَإِنْ كَانَ يُعَاقِبُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يُعَجِّلَ بِالْيَمِينِ حَتَّى يَرَى مَوَاضِعَ الشِّدَّةِ، وَكُلَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ دَرَأَ بِيَمِينِهِ عَنْ مَالِهِ. يُرِيدُ: إِذَا كَانَ يُغَرِّمُهُ وَلَا يُعَاقِبُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُنْظَرُ إِلَى قَدْرِ مَا يُغَرِّمُهُ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا حَنِثَ، وَاخْتُلِفَ إِذَا حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلَّفَ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ دَرَأَ بِالْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا لِيَذُبَّ عَمَّا خَافَ عَلَيْهِ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ لَزِمَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَلِّفَهُ فَصَدَّقَهُ وَتَرَكَهُ، وَكَانَتِ الْيَمِينُ خَوْفًا مِنْ قَتْلِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ، فَتَبَرَّعَ بِالْيَمَنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ رَجَاءَ النَّجَاةِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنِ اسْتَخْفَى عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ سُلْطَانٍ جَاءَ يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ دَمَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ فِي بَدَنِهِ فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ فَجَحَدَهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إِنِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ عِنْدَهُ فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ لَوِ اعْتَرَفَ بِهِ لَمْ يُعَاقِبْهُ حَنِثَ; لَأَنَّ الْيَمِينَ لَيْسَتْ لِيَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ ذَبٌّ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ أَوْ مَالِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي اللُّصُوصِ يَسْتَحْلِفُونَ الرَّجُلَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْحُرِّيَّةِ أَلَّا يُخْبِرَ عَنْهُمْ، فَأَخْبَرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ شَيْءٌ. يُرِيدُ: إِذَا كَانَ يَنْزِلُ بِهِ فِي جِسْمِهِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ ضَرْبٌ أَوْ قَتْلٌ، وَيُخْتَلَفُ إِذَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مَالَهُ وَلَا يَضْرِبُونَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْيَمِينِ فِيمَا هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: لَا يَلْزَمُ الْيَمِينُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْوَالِي رَجُلًا شَارِبًا خَمْرًا فَيُكْرِهُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ لَا يَفْسُقُ أَوْ لَا يَغِشُّ فِي عَمَلِهِ أَوْ لَا يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ، أَوْ يَحَلِّفُ الْوَالِدُ وَلَدَهُ مُكْرِهًا فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ تَأْدِيبِهِ، فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّفَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ مِنْهُ خَطَأٌ.

                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                            الخدمات العلمية