الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَالتَّقْلِيدُ: أَنْ تَقُولَ بِقَوْلِهِ، وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ، وَلَا وَجْهَ الْقَوْلِ وَلَا مَعْنَاهُ، وَتَأْبَى مَنْ سِوَاهُ. أَوْ إِنْ تَبَيَّنَ لَكَ خَطَؤُهُ، فَتَتْبَعُهُ مَهَابَةَ خِلَافِهِ، وَأَنْتِ قَدْ بَانَ لَكَ فَسَادُ قَوْلِهِ. وَهَذَا يَحْرُمُ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. انْتَهَى . وَمَا يَدُلُّ عَلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السُّلَفُ، مِنْ أَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِعِلْمٍ، قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ . قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَغَيْرُهُمَا: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ: هُوَ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هُوَ الرَّدُّ إِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ . وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، قَالَ: طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: اتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، قَالَ: أُولُو الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي السُّنَنِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، كُلَّمَا قِيدَ، انْقَادَ" . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَزَادَ: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" ، وَفِي رِوَايَةٍ: "إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَيَكْفِي فِي دَفْعِ الرَّأْيِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [الْمَائِدَةَ: 3] فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَكْمَلَ دِينَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ نَبِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي أَحْدَثَهُ أَهْلُهُ، بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ؟ إِنْ كَانَ مِنَ الدِّينِ فِي اعْتِقَادِهِمْ، فَهُوَ لَمْ يَكْمُلْ عِنْدَهُمْ إِلَّا بِرَأْيِهِمْ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ لِلْقُرْآنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الدِّينِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الِاشْتِغَالِ بِمَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ؟ وَهَذِهِ حُجَّةٌ قَاهِرَةٌ، وَدَلِيلٌ عَظِيمٌ، لَا يُمْكِنُ صَاحِبُ الرَّأْيِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِدَافِعٍ أَبَدًا. فَاجْعَلْ هَذِهِ الْآيَةَ الشَّرِيفَةَ أَوَّلَ مَا تَصُكُّ بِهِ وُجُوهَ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَتُرْغِمُ بِهِ آنَافَهُمْ، وَتَدْحَضُ بِهِ حُجَجَهُمْ. فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ أَنَّهُ أَكْمَلَ دِينَهُ، وَلَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَنَا بِهَذَا الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . فَمَنْ جَاءَنَا بِالشَّيْءِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ دِينِنَا، قُلْنَا لَهُ: اللَّهُ أَصْدَقُ مِنْكَ، فَاذْهَبْ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي رَأْيِكَ. وَلَيْتَ الْمُقَلِّدَةَ فَهِمُوا هَذِهِ الْآيَةَ حَقَّ الْفَهْمِ، حَتَّى يَسْتَرِيحُوا وَيَتْرُكُوا. وَمَعَ هَذَا، فَقَدْ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ . وَقَالَ: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً . ثُمَّ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْحُكْمِ بِكِتَابِهِ فَقَالَ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ . وَقَالَ: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا . وَقَالَ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ . وَقَالَ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَمَرَ عِبَادَهُ أَيْضًا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قَالَ سُبْحَانَهُ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ; وَقَالَ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . وَقَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ . وَقَالَ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ; وَقَالَ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النِّسَاءِ: 80]; وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ; وَقَالَ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . وَقَالَ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ; وَقَالَ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وَقَالَ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . وَقَالَ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ; وَقَالَ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ; وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [مُحَمَّدٍ: 33]. وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . وَالِاسْتِنْكَارُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا تَأْتِي بِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ. فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ عَنْ حِزْبِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الشَّرِيفَةَ ; لِقَصْدِ تَلْيِينِ قَلْبِ الْمُقَلِّدِ، الَّذِي قَدْ جَمَدَ وَصَارَ كَالْجَلْمَدِ. فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَوَامِرِ، رُبَّمَا امْتَثَلَهَا، وَأَخَذَ دِينَهُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، طَاعَةً لِأَوَامِرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ . فَإِنَّ هَذِهِ الطَّاعَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ - كَمَا تَقَدَّمَ -، لَكِنَّ الْإِنْسَانَ يَذْهَلُ عَنِ الْقَوَارِعِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالزَّوَاجِرِ النَّبَوِيَّةِ. فَإِذَا ذَكَرْتَهَا، ذَكَرَ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ نَشَأَ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَأَدْرَكَ سَلَفَهُ ثَابِتِينَ عَلَيْهِ، غَيْرَ مُتَزَحْزِحِينَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ هَذَا الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، فَإِذَا رَاجَعَ نَفْسَهُ، رَجَعَ . وَلِهَذَا تَجِدُ الرَّجُلَ إِذَا نَشَأَ عَلَى مَذْهَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ، ثُمَّ سَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَرَّنَ بِالْعِلْمِ، وَيَعْرِفَ مَا قَالَهُ النَّاسُ خِلَافًا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْمَأْلُوفَ، اسْتَنْكَرَهُ، وَأَبَاهُ قَلْبُهُ، وَنَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ . وَقَدْ رَأَيْنَا، وَسَمِعْنَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ. وَلَكِنْ إِذَا وَازَنَ الْعَاقِلُ بِعَقْلِهِ، بَيْنَ مَنِ اتَّبَعَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِهِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ الْمُقَلِّدُ، وَلَا مُسْتَنَدَ لِذَلِكَ الْعَالِمِ فِيهَا، بَلْ قَالَهَا بِمَحْضِ الرَّأْيِ ; لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى الدَّلِيلِ، وَبَيْنَ مَنْ تَمَسَّكَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا، بِالدَّلِيلِ الثَّابِتِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، أَفَادَهُ الْعَقْلُ أَنَّ بَيْنَهُمَا مَسَافَاتٍ، تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، بَلْ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا. إِنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالدَّلِيلِ أَخَذَ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْأَخْذَ بِهِ، وَاتَّبَعَ مَا شَرَعَهُ الشَّارِعُ بِجَمْعِ الْأُمَّةِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَحَيِّهَا وَمَيِّتِهَا، وَأَخْذُهُمْ هَذَا الْعَالِمَ الَّذِي تَمَسَّكَ الْمُقَلِّدُ لَهُ بِمَحْضِ رَأْيِهِ هُوَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالشَّرِيعَةِ، لَا أَنَّهُ حَاكِمٌ فِيهَا، وَهُوَ تَابِعٌ لَهَا، لَا مَتْبُوعٌ فِيهَا، فَهُوَ كَمَنْ تَبِعَهُ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَرْضُهُ الْأَخْذُ بِمَا جَاءَ عَنِ الشَّارِعِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي كَوْنِ الْمَتْبُوعِ عَالِمًا، وَالتَّابِعِ جَاهِلًا. فَالْعَالِمُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ دُونِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى غَيْرِهِ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ بِمَا اشْتَغَلَ بِهِ مِنَ الطَّلَبِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالتَّحَرُّجِ لَهُمْ فِي مَعَارِفِ الِاجْتِهَادِ. وَالْجَاهِلُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَى الدَّلِيلِ بِسُؤَالِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ عَلَى طَرِيقَةِ طَلَبِ الدَّلِيلِ وَاسْتِرْوَاءِ النَّصِّ، وَكَيْفَ حَكَمَ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. فَيُفِيدُونَهُ النَّصَّ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْحُجَّةَ إِذَا دَلَّ عَلَيْهَا، أَوْ يُفِيدُونَهُ مَضْمُونَ النَّصِّ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ يَفْهَمُهَا، فَهُمْ رُوَاةٌ، وَهُوَ مُسْتَرْوٍ، وَهَذَا عَامِلٌ بِالرِّوَايَةِ لَا بِالرَّأْيِ. وَالْمُقَلِّدُ عَامِلٌ بِالرَّأْيِ، لَا بِالرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَ الْغَيْرِ مِنْ دُونِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِحُجَّةٍ. وَذَلِكَ هُوَ فِي سُؤَالِهِ لَهُ مُطَالَبٌ بِالْحُجَّةِ لَا بِالرَّأْيِ، فَهُوَ قَبِلَ رِوَايَةَ الْغَيْرِ، لَا رَأْيَهُ، وَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ مُتَقَابِلَانِ. فَانْظُرْ كَمِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ! . فَإِنَّ الْعَالِمَ الَّذِي قَلَّدَهُ غَيْرُهُ إِذَا كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ، وَلَمْ يَجِدْهُ، ثُمَّ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ، فَهُوَ مَعْذُورٌ. وَهَكَذَا إِذَا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ، بَلْ مَأْجُورٌ; لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ" ، فَإِذَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، كَانَ بِيَدِهِ هَذِهِ الْحُجَّةُ الصَّحِيحَةُ. بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ; فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ حُجَّةً يُدْلِي بِهَا عِنْدَ السُّؤَالِ فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ ; لِأَنَّهُ قَلَّدَ فِي دِينِ اللَّهِ مَنْ هُوَ مُخْطِئٌ. وَعَدَمُ مُؤَاخَذَةِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى خَطَئِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ مُؤَاخَذَةِ مَنْ قَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ الْخَطَأِ، لَا عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا، وَلَا عَادَةً .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية