الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 1563 (بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ) وَهُوَ فِي النَّوَوِيِّ فِي: (كِتَابِ الْجَنَائِزِ) . (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 7- 9 ج7 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا: أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ فَأَخَذَهَا. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي. ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا. فَبَاعَهَا وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا. .] السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ عَائِشَةَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، (قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ) . بِفَتْحِ السِّينِ، وَضَمِّهَا. وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ. وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَغَيْرُهُ: هِيَ ثِيَابٌ بِيضٌ نَقِيَّةٌ، لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْقُطْنِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَمْ يَخُصَّهَا بِالْقُطْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى "سُحُولٍ". قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ تَعْمَلُ فِيهَا. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: "السُّحُولِيَّةُ"، بِالْفَتْحِ، مَنْسُوبَةٌ إِلَى "سُحُولٍ". مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ، يَحْمِلُ مِنْهَا هَذِهِ الثِّيَابَ. وَبِالضَّمِّ: ثِيَابٌ بِيضٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَرْيَةَ أَيْضًا بِالضَّمِّ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي "النِّهَايَةِ"، فِي هَذَا الْحَدِيثِ. (مِنْ كُرْسُفٍ) هُوَ الْقُطْنُ. و فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ كَفَنِ الْقُطْنِ. وَفِي قَوْلِهِ: "بِيضٌ"، دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ التَّكْفِينِ فِي الْأَبْيَضِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، الْوَارِدِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ: (وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمُ) . انْتَهَى. قُلْتُ: وَرَدَ الْإِرْشَادُ إِلَى التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ، الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَةَ، بِلَفْظِ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ") وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَاجَةَ : مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ. وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَيُكْرَهُ الْمُصَبَّغَاتُ، وَنَحْوُهَا، مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ. وَأَمَّا الْحَرِيرُ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِيهِ. وَيَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِيهِ، مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: التَّكْفِينَ فِي الْحَرِيرِ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَحْفَظُ خِلَافَهُ. (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ) . أَيْ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ غَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ آخَرُ. هَكَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ الصَّوَابُ، الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُسْتَحَبُّ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ. وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ هُمَا مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا زَائِدَتَانِ عَلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِيهِمَا. قُلْتُ: وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ فِعْلَ الصَّحَابَةِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ. قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ: أَنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نُزِعَ عَنْهُ، عِنْدَ تَكْفِينِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ رُطُوبَتِهِ، لَأَفْسَدَ الْأَكْفَانَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي: (سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ، وَقَمِيصُهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) ، فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ، لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ أَحَدَ رُوَاتِهِ: مَجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، لَاسِيَّمَا وَقَدْ خَالَفَ بِرِوَايَتِهِ الثِّقَاتِ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. إِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْمَرْفُوعِ. وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فِعْلٌ. (أَمَّا "وَالْحُلَّةُ") وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ: إِزَارٌ، وَرِدَاءٌ. (قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ) ، (فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا) بِضَمِّ الشِّينِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ. أَيِ: اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ: (أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي. ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ لِكِفَّنْتُهُ فِيهَا. فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ فَهْمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَايَةِ تَقْوَاهُ، وَنِهَايَةِ اجْتِنَابِهِ عَنْ هَوَى النَّفْسِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ الْحُلَّةَ، فَقَالَ: أُكَفَّنُ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُكَفَّنُ فِيهَا؟ فَتَصَدَّقَ بِهَا) . وَفِيهَا: (وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولٍ يَمَانِيَّةٍ) . "وَالسُّحُولُ" بِالضَّمِّ: جَمْعُ "سَحْلٍ"، وَهُوَ ثَوْبُ الْقُطْنِ. "وَيَمَانِيَّةٌ": مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْيَمَنِ. وَيَسْتَرْوِحُ بِذَلِكَ لِفَضْلِ الْيَمَنِ، وَصَنَائِعِهِ، وَلِبَاسِهِ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِيَابَ الْيَمَنِ لِلْكَفَنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "وُجُوبُ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ". وَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ. وَيَجِبُ فِي مَالِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، يُوَزِّعُهُ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْيَسَارِ، وَعَلَى مَا يَرَاهُ. وَفِيهِ: أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْكَفَنِ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لِلرَّجُلِ. وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَالْوَاجِبُ: ثَوْبٌ وَاحِدٌ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْمَرْأَةِ: خَمْسَةُ أَثْوَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي خَمْسَةٍ. لَكِنِ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ الثَّلَاثَةَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى خَمْسَةٍ، فَإِسْرَافٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. انْتَهَى. وَأَقُولُ: الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، إِضَاعَةٌ لِلْمَالِ. وَقَدْ نَهَى عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِلَا شَكٍّ، وَلَا شُبْهَةٍ. وَمَنْ أَوْصَى بِهَا، فَقَدْ أَوْصَى بِمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ وَصِيَّةٌ بِمَحْظُورٍ، لَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ إِضَاعَةٌ لِلْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَإِنْ كُفِّنَ بِأَلْفِ كَفَنٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ تُرَابًا عَنْ قَرِيبٍ. وَمَعْلُومٌ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ صَحِيحُ الْعَقْلِ، لَا يَقْصِدُ التَّزَيُّنَ بِذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ، فَقَدْ صَارُوا جَمِيعًا فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ. فَالصَّوَابُ: أَنْ يَأْثَمَ الْوَصِيُّ، وَالْوَارِثُ، بِامْتِثَالِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، لَا بِرَدِّهَا. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ، إِنَّمَا جَعَلَ لِلْمَيِّتِ ثُلْثَ مَالِهِ، لِيَجْعَلَهُ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِهِ، يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ. لَا لِيَضَعَهُ فِي مَوَاضِعِ الْإِضَاعَةِ، وَيُخَالِفُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، مِنْ عَدَمِ إِضَاعَةِ الْمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ". أَيِ: الْفَقِيرُ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ قَرِيبُهُ، فَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا. فَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَفِي بَيْتِ الْمَالِ"، فَصَوَابٌ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، مَوْضُوعٌ لِمَصَالِحِهِمْ. وَقَدْ عُلِمَ بِالدَّلِيلِ: أَنَّ تَكْفِينَ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ. وَالْإِمَامُ، وَبَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْلَى بِذَلِكَ. وَلِهَذَا يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ. وَمَنْ تَرَكَ مَالًا، فَلِوَرَثَتِهِ". وَأَمَّا قَوْلُهُ: "عَلَى الْمُسْلِمِينَ "، فَهُوَ أَيْضًا صَوَابٌ؛ لِأَنَّ تَكْفِينَ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْفِنُوهُ بِغَيْرِ كَفَنٍ؛ لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ يُخِلُّونَ بِالْوَاجِبِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِمْ. وَأَمَّا عَدَدُ ثِيَابِ الْكَفَنِ، فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا وَبَرَكَتُنَا فِي " السَّيْلِ الْجَرَّارِ": قَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ، عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفَنِ: ثَوْبٌ وَاحِدٌ، يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ. وَأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ التَّرِكَةِ، مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ أَلْجَأَتِ الضَّرُورَةُ، إِلَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبٍ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، فَلِلضَّرُورَةِ حُكْمُهَا. كَمَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: (أَنَّ مُصْعَبَ ابْنَ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً، إِذَا غَطَّوْا بِهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّوْا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأْسُهُ. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يُغَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَيَجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْإِذْخَرِ) . قَالَ: وَأَمَّا عَدَدُ الْأَكْفَانِ، فَلَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ . (يَعْنِي: حَدِيثَ الْبَابِ) . وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَكْفِينِهِ مَا يُخَالِفُ هَذَا. وَكُلُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُعَارَضَةِ. هَذَا مَعَ كَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ، لَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعَارِضَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَلَكِنْ هَذَا، إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَخْتَارُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْأَفْضَلَ. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ، لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكَانَ أَفْضَلُ الْأَكْفَانِ: ثَلَاثَةَ دُرُوجٍ. فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا: إِلَى خَمْسَةٍ، أَوْ سَبْعَةٍ. وَقَدِ اقْتَدَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ، بِكَفَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. انْتَهَى. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ أَيْضًا، فَبِمَا أَمْكَنَ: مِنْ شَجَرٍ، وَتُرَابٍ، وَغَيْرِهِمَا. لِمَا عَرَفْتَ أَنَّ لِلضَّرُورَةِ حُكْمَهَا. وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ غَيْرُ مَا قَدْ كَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية