الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 2030 بَابُ التَّلْبِيَةِ وَزَادَ النَّوَوِيُّ: (وَصِفَتُهَا وَوَقْتُهَا). حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ ص 88 ج 8 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ! لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ؛ لَكَ وَالْمُلْكَ. لَا شَرِيكَ لَكَ". قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ]. السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، أَهَلَّ) . الْإِهْلَالُ هُنَا: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ . وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ فِي اللُّغَةِ: رَفْعُ الصَّوْتِ مُطْلَقًا. وَمِنْهُ: (اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ). أَيْ: صَاحَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ . أَيْ: رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ ذَبْحِهِ، بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ. وَسُمِّي الْهِلَالُ: (هِلَالًا) ، لِرَفْعِهِمُ الصَّوْتَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ. (فَقَالَ: لَبَّيْكَ) . قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ الْمَازِرِيُّ : (التَّلْبِيَةُ) مُثَنَّاةٌ، لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ. وَمَعْنَاهَا: إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَلُزُومٌ لِطَاعَتِكَ. فَتُثَنَّى لِلتَّوْكِيدِ، لَا تَثْنِيَةَ حَقِيقِيَّةً. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ : (لَبَّيْكَ) اسْمٌ مُفْرَدٌ، لَا مُثَنَّى. قَالَ: وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً، لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ. كَلَدَيَّ، عَلَيَّ. وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ : أَنَّهُ مُثَنَّى. بِدَلِيلِ قَلْبِهَا يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ . قَالَ ابْنُ الْأَبْيَارِيُّ : ثَنُّوا (لَبَّيْكَ). كَمَا ثَنُّوا (حَنَانَيْكَ). أَيْ: تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وَأَصْلُ (لَبَّيْكَ): لَبَبْتُكَ. فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْعَ بَيْنَ: ثَلَاثِ بَاءَاتٍ، فَأَبْدَلُوا مِنَ الثَّالِثَةِ يَاءً. كَمَا قَالُوا مِنَ الظَّنِّ: (تَظَنَّيْتُ). وَالْأَصْلُ: تَظَنَّنْتُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى: (لَبَّيْكَ)، وَاشْتِقَاقِهَا : فَقِيلَ مَعْنَاهَا: اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ. مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ. أَيْ: تُوَاجِهُهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا: مَحَبَّتِي لَكَ. مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ. إِذَا كَانَتْ مُحِبَّةً لِوَلَدِهَا، عَاطِفَةً عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا: إِخْلَاصِي لَكَ. مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: (حُبٌّ لُبَابٌ). إِذَا كَانَ خَالِصًا. وَمِنْ ذَلِكَ: (لُبُّ الطَّعَامِ) وَلِبَابُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا: (أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، وَإِجَابَتِكَ). مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ وَأَلَّبَ. إِذَا أَقَامَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَبِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ . قَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ: هَذِهِ الْإِجَابَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ). وَقَالَ إِبْرَاهِيمٌ الْحَرْبِيُّ فِي مَعْنَى (لَبَّيْكَ): أَيْ: قُرْبَةٌ مِنْكَ وَطَاعَةٌ. وَالْإِلْبَابُ: (الْقُرْبُ). وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ : مَعْنَاهُ: (أَنَا مُلَبٍّ بَيْنَ يَدَيْكَ). أَيْ: خَاضِعٌ. (اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ) . بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إِنَّ) وَفَتْحِهَا: وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفَتْحُ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ : الِاخْتِيَارُ الْكَسْرُ. وَهُوَ الْأَجْوَدُ فِي الْمَعْنَى مِنَ الْفَتْحِ. لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ: (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ) ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَمَنْ فَتَحَ قَالَ مَعْنَاهُ: لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. وَالْمَشْهُورُ فِي النِّعْمَةِ: (النَّصْبُ). قَالَ عِيَاضٌ : وَيَجُوزُ رَفْعُهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ خَبَرَ (إِنَّ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ، وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ). (وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ) . "فِيهِ": نَفْيُ الشِّرْكِ، وَإِثْبَاتُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ . فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدُ إِلَّا هُوَ، وَلَا نِعْمَةٌ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا مُلْكٌ إِلَّا لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ). (قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) -: (قَالَ نَافِعٌ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ) . قَالَ عِيَاضٌ : إِعْرَابُهَا، وَتَثْنِيَتُهَا، كَمَا سَبَقَ فِي (لَبَّيْكَ). وَمَعْنَاهُ: مُسَاعَدَةٌ لِطَاعَتِكَ، بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ. (وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ). أَيِ: الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ فَضْلِهِ. (لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ). قَالَ الْمَازِرِيُّ : يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ، وَبِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ. وَنَظِيرُهُ: (الْعُلَا وَالْعَلْيَاءُ) ، (وَالنُّعْمَى وَالنَّعْمَاءُ). قَالَ عِيَاضٌ : وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ فِيهِ أَيْضًا الْفَتْحَ مَعَ الْقَصْرِ: (الرَّغْبَى). مِثْلَ: (كَرَى). وَمَعْنَاهُ هُنَا: الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ، إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ، الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ. وَأَمَّا حُكْمُ التَّلْبِيَةِ ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِهَا. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ: هِيَ سُنَّةٌ. لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَجِّ، وَلَا بِوَاجِبَةٍ. فَلَوْ تَرَكَهَا صَحَّ حَجُّهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ. لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : هِيَ وَاجِبَةٌ. تُجْبَرُ بِالدَّمِ. وَيَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ وَلَا الْحَجُّ إِلَّا بِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا: مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. وَلَكِنْ لَوْ تَرَكَهَا لَزِمَهُ دَمٌ، وَصَحَّ حَجُّهُ. انْتَهَى. وَأَقُولُ: ثَبَتَ عِنْدَ مَالِكٍ (فِي الْمُوَطَّأِ) ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَهْلِ السُّنَنِ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمِ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، مِنْ حَدِيثِ: ( خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي: أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي: أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمُ بِالتَّلْبِيَةِ" . قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ . قَالَ فِي (السَّيْلِ): فَهَذَا يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّةَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَيُفِيدُ أَيْضًا (وُجُوبَ التَّلْبِيَةِ). وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ. وَالْمَرْأَةُ لَيْسَ لَهَا الرَّفْعُ. لِأَنَّهُ يَخَافُ الْفِتْنَةَ بِصَوْتِهَا. وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا. لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ: كَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، وَاجْتِمَاعِ الرِّفَاقِ، وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ، وَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَفِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا. قَالَ: وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُلَبِّي فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. لِأَنَّ لَهُمَا أَذْكَارًا مَخْصُوصَةً. وَيُسْتَحَبُّ: أَنْ يُكَرِّرَ (التَّلْبِيَةَ) كُلَّ مَرَّةٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ. وَيُوَالِيهَا. وَلَا يَقْطَعُهَا بِكَلَامٍ. فَإِنَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، رَدَّ السَّلَامَ بِاللَّفْظِ. وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَإِذَا لَبَّى، صَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَسَأَلَ اللَّهَ مَا شَاءَ لِنَفْسِهِ، وَلِمَنْ أَحَبَّهُ، وَلِلْمُسْلِمِينَ. وَأَفْضَلُهُ: سُؤَالُ الرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنَ النَّارِ. وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ قَالَ: (لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ). وَلَا تَزَالُ التَّلْبِيَةُ مُسْتَحَبَّةً لِلْحَاجِّ، حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، يَوْمَ النَّحْرِ. أَوْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إِنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا، أَوِ الْحَلْقَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: (الْحَلْقُ نُسُكٌ). وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَتُسْتَحَبُّ لِلْعُمْرَةِ، حَتَّى يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ. وَتُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا: سَوَاءٌ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْمُحْدِثُ، وَالْجُنُبُ، وَالْحَائِضُ. لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ : "اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي" . هَذَا آخِرُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ ، فِي حُكْمِ التَّلْبِيَةِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ : يَنْعَقِدُ الْحَجُّ بِالنِّيَّةِ بِالْقَلْبِ، مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ. كَمَا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّلْبِيَةِ، أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَيُجْزِئُ عَنِ التَّلْبِيَةِ، مَا فِي مَعْنَاهَا: مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ . كَمَا قَالَ هُوَ: إِنَّ التَّسْبِيحَ وَغَيْرَهُ، يُجْزِئُ فِي الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ، عَنِ التَّكْبِيرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. وَأَقُولُ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ. وَالْعَمَلُ يَشْمَلُ: (الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ). وَالْقَوْلُ كَالْفِعْلِ. وَظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ تَقْتَضِي: أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، الثَّابِتَةِ أَدِلَّتُهَا. عَلَى أَنَّ عَدَمَهَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَدَمِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ، عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَيَنْبَغِي: أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارَنَةً لِلتَّلْبِيَةِ . فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ) مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: (أَنَّهُ أَهَلَّ مُلَبِّيًا) . وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَفْعَالَهُ، وَأَقْوَالَهُ، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ: مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ ، لِأَنَّهَا بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْقُرْآنِ. وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ: أَنْ يَأْخُذُوا عَنْهُ مَنَاسِكَهُمْ. فَمَنِ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْهَا: أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَلَا يُجْزِئُ عَنِ التَّلْبِيَةِ غَيْرُهَا، مِنْ سَائِرِ الْأَذْكَارِ. وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي التَّلْبِيَةِ، الْمُفِيدَةُ لِوُجُوبِهَا، تَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ. وَأَمَّا كَوْنُهَا: مُقَارَنَةً لِلتَّقْلِيدِ، فَلِمَا ثَبَتَ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ : (أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية