الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                          التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                          المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَوَابُ (لَمَّا) فِي قَوْلِ الْمُبَرَّدِ : كَفَرُوا بِهِ ، وَكُرِّرَتْ (لَمَّا) ؛ لِطُولِ الْكَلَامِ. وَالْجَوَابُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَالزَّجَّاجِ مَحْذُوفٌ. الْفَرَّاءُ : (الْفَاءُ): جَوَابُ (لَمَّا) الْأُولَى، وَ (كَفَرُوا): جَوَابُ (لَمَّا) الثَّانِيَةِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الْبَقَرَةُ: 38]، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ (الْفَاءَ) هَهُنَا لَيْسَتْ بِنَاسِقَةٍ: أَنَّ الْوَاوَ لَا تَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَصْلُ (بِئْسَ): (بَئِسَ)، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْعَيْنِ إِلَى الْفَاءِ مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ، وَأُسْكِنَتِ الْعَيْنُ كَمَا قَالُوا: (شَهِدَ)، وَ (سَئِمَ). وَلَا يَلِي (بِئْسَ) وَ (نِعْمَ) إِلَّا اسْمٌ مَنْكُورٌ، أَوْ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ الْمُعَرَّفَةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ؛ لِأَنَّ (نِعْمَ) مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الْمَدْحِ، وَ (بِئْسَ) مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ، فَقَوْلُكَ: (نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ)، وَ (بِئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ) إِخْبَارٌ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ أَوِ الذَّمَّ الَّذِي يَكُونُ لِسَائِرِ جِنْسِهِ. وَأَجَازَ أَبُو عَلِيٍّ أَنْ يَلِيَهُمَا (مَا) مَوْصُولَةٌ وَغَيْرُ مَوْصُولَةٍ، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مُبْهَمَةً، تَقَعُ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَلَا تَخُصُّ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، وَتَكُونُ مَعْرِفَةً وَنَكِرَةً، فَأَشْبَهَتْ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ. وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ أَنْ يَلِيَهَا (الَّذِي) إِذَا كَانَ عَامًّا غَيْرَ مَخْصُوصٍ؛ نَحْوَ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزُّمَرُ: 33]. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِ(بِئْسَ)، وَ (أَنْ) مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ يَكْفُرُوا بَدَلًا مِنْهَا، أَوْ تَكُونَ (أَنْ) مُبْتَدَأَةً، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَ (مَا) عِنْدَ الْأَخْفَشِ : نَكِرَةٌ، وَمَوْضِعُهَا: نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقَوْلُهُ: اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ : نَعْتٌ لِ(مَا)، وَ (أَنْ): فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ؛ كَقَوْلِكَ: (بِئْسَ رَجُلًا ظَرِيفًا زَيْدٌ). الْكِسَائِيُّ : (مَا): نَكِرَةٌ، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ، وَثُمَّ (مَا) أُخْرَى مُضْمَرَةٌ تَعُودُ (الْهَاءُ) فِي (بِهِ) عَلَيْهَا، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ؛ أَيِ: الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. وَعَنْهُ أَيْضًا: (مَا) وَ (اشْتَرَوْا): اسْمٌ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. الْفَرَّاءُ : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَعَ (بِئْسَ) بِمَنْزِلَةِ (كُلَّمَا)، وَقَالَ فِي (أَنْ) مِنْ قَوْلِهِ: (أَنْ يَكْفُرُوا): إِنْ شِئْتَ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، رَدًّا عَلَى الْهَاءِ فِي (بِهِ) ؛ أَيِ: اشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ بِأَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ : مَوْضِعُ (أَنْ): نَصْبٌ عَلَى تَقْدِيرِ: (لِأَنَّ)، أَوْ بَدَلٌ مِنْ (مَا) فِي قَوْلِهِ: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا وَ (بَغْيًا): مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى (بَغَوْا). وَالتَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ فِي (وَيُنْزِلُ) ظَاهِرَانِ، وَاخْتِصَاصُ أَبِي عَمْرٍو الَّذِي فِي (الْأَنْعَامِ) بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ: (نَزَلَ)، فَجَاءَ بِالثَّانِي كَذَلِكَ، وَاخْتِصَاصُ ابْنِ كَثِيرٍ الْمَوْضِعَيْنِ فِي (بَنِي إِسْرَائِيلَ) ؛ لِأَنَّ قَبْلَ: حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ [الْإِسْرَاءُ: 93]: حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا [الْإِسْرَاءُ: 90] بِالتَّشْدِيدِ، وَقَوْلُهُ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الْإِسْرَاءُ: 82]؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُتَفَرِّقًا. وَاخْتِصَاصُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ خَفَّفَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْغَيْثَ مَذْكُورٌ مَعَهُمَا، وَعَامَّةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ الْغَيْثُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَ عَلَى (أَفْعَلَ). وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَشْدِيدِ: وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الْحِجْرُ: 21]؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الْأَرْزَاقِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةُ النُّزُولِ. وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ : (مُصَدِّقًا): حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُصَدِّقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الْخَبَرِ، وَلَا يَجُوزُ: (هُوَ زَيْدٌ قَائِمًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا؛ فَلَيْسَ بِزَيْدٍ، وَجَازَ ذَلِكَ فِي: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، أَوْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى : (اللَّامُ): لِلْقَسَمِ، وَلَيْسَتْ لِلِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ لَامَ الِابْتِدَاءِ إِنَّمَا تَلْحَقُ الِاسْمَ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُضَارَعَةِ فِي بَابِ (إِنَّ). قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً : (خَالِصَةً): خَبَرُ (كَانَ)، أَوْ حَالٌ، وَ (عِنْدَ اللَّهِ): الْخَبَرُ. يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (يَوَدُّ): فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ؛ أَيْ: أَشْرَكُوا وَادِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِلَةَ الْمُبْتَدَأِ الْمَحْذُوفِ، فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْمَعْنَى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مَنْ يَوَدُّ. وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ : (هُوَ): يَكُونُ كِنَايَةً عَنِ التَّعْمِيرِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ أَنْ يُعَمَّرَ : بَدَلٌ مِنْهُ، وَ (بِمُزَحْزِحِهِ): خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. أَوْ يَكُونُ (هُوَ): كِنَايَةٌ عَنْ (أَحَدِهِمْ)، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ (أَنْ يُعَمَّرَ): فِي مَوْضِعِ رَفْعِ بِ(مُزَحْزِحِهِ)، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ (هُوَ). أَوْ يَكُونُ (هُوَ) رُفِعَ بِ(مَا)، وَ بِ(مُزَحْزِحِهِ): الْخَبَرُ، وَ (أَنْ): فَاعِلَةٌ بِـ (مُزَحْزِحِهِ). وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ أَنْ يَكُونَ (هُوَ) كِنَايَةً عَنِ الْأَمْرِ، وَلَمْ يُجِزْهُ الْبَصْرِيُّونَ؛ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُفَسَّرُ إِلَّا بِالْجُمَلِ السَّالِمَةِ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ. قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ : الْقِرَاءَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي (جِبْرِيلَ) لُغَاتٌ، وَأَصْلُ (جِبْرِيلَ) وَ (مِيكَائِيلَ) وَمَا شَاكَلَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: أَعْجَمِيَّةٌ، فَلَمَّا نَطَقَتْ بِهَا الْعَرَبُ؛ جَاءَتْ بِهَا عَلَى ضُرُوبٍ؛ فَمِنْهَا: مَا أُلْحِقَ بِالْأَبْنِيَةِ؛ نَحْوَ: (جِبْرِيلَ) وَ (جِبْرَئِلَ)، وَ (جِبْرَئِيلَ)، وَمِنْهَا: مَا لَمْ يَلْحَقْ بِالْأَبْنِيَةِ؛ نَحْوَ: (جِبْرِيلَ). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ (جِبْرِيلَ) مِثْلُ: (سَمْوِيلَ)، وَهُوَ طَائِرٌ. وَمَنْ قَالَ: (جَبْرٌ) بِمَعْنَى: عَبْدٌ، وَ (إِيلُ): اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ (حَضْرَمَوْتَ). {أَوَكُلَّمَا}: مَنْ حَرَّكَ الْوَاوَ؛ فَهُوَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ فِي التَّفْسِيرِ مَنْ كَوْنِهَا زَائِدَةً، أَوْ وَاوَ عَطْفٍ، وَمَنْ أَسْكَنَ؛ فَـ (أَوْ) لِلْخُرُوجِ مِنْ كَلَامٍ إِلَى غَيْرِهِ؛ بِمَنْزِلَةِ (أَمِ) الْمُنْقَطِعَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: (بَلْ كُلَّمَا عَاهَدُوا) ؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: (لَأُعَاقِبُكَ)، فَيَقُولُ الْآخَرُ: (أَوْ يُحْسِنُ اللَّهُ رَأْيَكَ) ؛ أَيْ: بَلْ يُحْسِنُ اللَّهُ رَأْيَكَ. وَمَنْ قَرَأَ: (عَهِدُوا) ؛ فَلِأَنَّ بَعْدَهُ: (عَهْدًا)، وَانْتِصَابُهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ انْتِصَابُ الْمَصْدَرِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى تَقْدِيرِ: (أُعْطُوا عَهْدًا) ؛ فَكَأَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الزِّيَادَةِ. وَقَوْلُهُ: كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ : (الْكَافُ): حَرْفُ تَشْبِيهٍ لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ. * * *

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية