الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                          التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                          المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          التَّفْسِيرُ: تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى المص . كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ؛ أَيْ: [هَذَا كِتَابٌ أَنْزِلُ إِلَيْكَ]. فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ؛ أَيْ: فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ مِنْ أَنْ تُبَلِّغَهُ. وَمَذْهَبُ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ : أَنَّ (الْحَرَجَ) هَهُنَا: الشَّكُّ، فَالْخِطَابُ عَلَى هَذَا- لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ: أُمَّتُهُ. وَ (الْهَاءُ) فِي {مِنْهُ}: لِلْقُرْآنِ، وَقِيلَ: لِلْإِنْذَارِ، وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ؛ وَالْمَعْنَى: فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ. وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرُ، وَالتَّقْدِيرُ: كِتَابٌ أُنْزِلُ إِلَيْكَ؛ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ. اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ؛ يَعْنِي: مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ : الْهَاءُ: لِـ (الرَّبِّ) تَعَالَى، وَقِيلَ: عَائِدَةٌ عَلَى {مَا} مِنْ قَوْلِهِ: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ؛ وَالْمَعْنَى: لَا تَتَّخِذُوا مَنْ عَدَلَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَلِيًّا، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ اتِّبَاعِ الْآرَاءِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ. وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ : {وَكَمْ}: لِلتَّكْثِيرِ، كَمَا أَنَّ (رُبَّ): لِلتَّقْلِيلِ. وَمَجِيءُ (الْبَأْسِ) مَعْطُوفًا بِالْفَاءِ فِيهِ أَقْوَالٌ: مِنْهَا: أَنَّ الْمَعْنَى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا، كَمَا قَالَ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النَّحْلُ: 98]؛ يُرِيدُ: فَإِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَتَهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَهْلَكْنَا أَهْلَهَا بِمَنْعِنَا إِيَّاهُمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ، فَجَاءَهَا الْبَأْسُ بَغْتَةً. الْفَرَّاءُ : الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فِي حُكْمِنَا، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقِيلَ: أَهْلَكْنَاهَا بِإِرْسَالِنَا مَلَائِكَةَ الْعَذَابِ إِلَيْهَا؛ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقَوْلُهُ: بَيَاتًا ؛ يَعْنِي: أَنَّ الْعَذَابَ جَاءَهُمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ بِاللَّيْلِ، وَهُمْ نَائِمُونَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ؛ يَعْنِي: نِصْفَ النَّهَارِ، وَمَعْنَى {أَوْ}: مَعْنَى تَصَرُّفِ الشَّيْءِ مَرَّةً كَذَا، وَمَرَّةً كَذَا، وَلَوْ جَاءَتِ الْوَاوُ هَهُنَا مَكَانَ {أَوْ} ؛ لَصَارَ الْمَعْنَى: أَهْلَكْنَاهَا بِاللَّيْلِ وَهُمْ قَائِلُونَ، وَلَمْ يَقُلْ: (بَيَاتًا أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ) ؛ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَاوِ، وَقِيلَ: بَلْ حُذِفَتِ الْوَاوُ لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ حَرْفَيْ عَطْفٍ، وَهَذِهِ الْوَاوُ تُسَمَّى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: وَاوَ الْوَقْتِ. فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا الْآيَةَ: (الدَّعْوَى) هَهُنَا: اسْمٌ لِمَا يُدْعَى؛ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمْ يُحَصِّلُوا عِنْدَ الْإِهْلَاكِ إِلَّا عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ. فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ : مَعْنَى سُؤَالِ الرُّسُلِ: الِاسْتِشْهَادُ بِهِمْ عَلَى قَوْمِهِمْ، وَسُؤَالِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ: سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبِيخٍ، وَقَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [الْقَصَصُ: 78]؛ يَعْنِي: إِذَا اسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَابِ، فَالْآخِرَةُ مَوَاطِنُ: مَوْطِنٌ يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ، وَمَوْطِنٌ لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْتَقِرُّونَ فِي الْعَذَابِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَا يُسْأَلُونَ سُؤَالَ اسْتِعْلَامٍ؛ وَلَكِنْ يُسْأَلُونَ سُؤَالَ تَقْرِيرٍ وَتَوْبِيخٍ. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ؛ أَيْ: فَلَنَجْزِيَنَّهُمْ بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا، ابْنُ عَبَّاسٍ : يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ كِتَابُ عَمَلِهِمْ. وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ؛ يَعْنِي: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُحِيطًا بِهِمْ، عَالِمًا بِأَعْمَالِهِمْ. وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ : أَصْلُ (وَالْوَزْنُ): مُقَابَلَةُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ؛ حَتَّى يَظْهَرَ مِقْدَارُهُ مِنْهُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمِيزَانِ؛ فَقَالَ الْحَسَنُ : لِمِيزَانِ الْآخِرَةِ كِفَّتَانِ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرُجْحَانُ الْمِيزَانِ عَلَى هَذَا وَنُقْصَانُهُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَعْرَاضٌ؛ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُ فِي جَانِبِ الْحَسَنَاتِ ثِقَلًا، وَفِي جَانِبِ السَّيِّئَاتِ خِفَّةً. وَوَزْنُهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَعْمَالَ كَإِثْبَاتِهِ إِيَّاهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؛ [وَذَلِكَ لِيُرِيَهُمْ تَضْيِيعَهُمْ، وَيَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ، لَا لِيَعْلَمَهَا مِنْ جِهَةِ الْوَزْنِ وَالْإِثْبَاتِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمِيزَانُ: الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ بِأَعْيَانِهَا، وَعَنْهُ أَيْضًا: الْوَزْنُ فِي الْآخِرَةِ: الْعَدْلُ. ابْنُ عُمَرَ : تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ. وَقِيلَ: الْمِيزَانُ: الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ أَعْمَالُ الْخَلْقِ. وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ : (الْمَعَايِشُ): مَا يُتَعَيَّشُ بِهِ، وَقِيلَ: مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْعَيْشِ. وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ : قِيلَ: الْمَعْنَى: خَلَقْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ حِينَ أُخِذَ عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: خَلَقْنَاكُمْ نُطَفًا، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، ثُمَّ إِنَّا نُخْبِرُكُمْ أَنَّا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: بَدَأْنَا خَلْقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، ثُمَّ وَقَعَ التَّصْوِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: وَلَقَدْ خَلَقَنَا أَبَوَيْكُمْ، ثُمَّ صَوَّرْنَاهُمَا، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمَا: الْمَعْنَى: خَلَقْنَا آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِهِ. الْأَخْفَشُ : {ثُمَّ} بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقِيلَ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا؛ وَالْمَعْنَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ؛ يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ. وَقَوْلُهُ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ : قِيلَ: إِنَّ (لَا) زَائِدَةٌ؛ وَالْمَعْنَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ؟ وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْعَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ لَكَ: أَلَّا تَسْجُدُ؟ أَوْ مَنْ دَعَاكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ؟ وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ الطَّاعَةِ وَأَحْوَجَكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ؟ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ : هَذَا جَوَابُ إِبْلِيسَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ كَأَنَّهُ قَالَ: مَنَعَنِي فَضْلِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ النَّارَ أَشْرَفُ مِنَ الطِّينِ. الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ : أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ؛ يَعْنِيَانِ: أَنَّهُ قَاسَ فَأَخَطَأَ فِي قِيَاسِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّارَ فِي جَوْهَرِهَا مِنَ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ مَا حَمَلَ إِبْلِيسَ -مَعَ مَا سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى- عَلَى الِاسْتِكْبَارِ، كَمَا أَنَّ الَّذِي فِي جَوْهَرِ الطِّينِ مِنَ الرَّزَانَةِ حَمَلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -مَعَ مَا سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى- عَلَى الْإِنَابَةِ، وَالنَّدَمِ عَلَى ذَنْبِهِ، وَالتَّوْبَةِ. قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ؛ أَيْ أَخِّرْنِي، قَالَ السُّدِّيُّ : سَأَلَ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَلَمْ يُنْظَرْ، وَأُنَظِرَ إِلَى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَهُوَ يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا مَوْتَ بَعْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ؛ رَجَاءَ أَنْ يَصِحَّ لَهُ الْخُلُودُ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ. وَقَوْلُهُ: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ : قِيلَ: مَعْنَى (أَغْوَيْتَنِي): أَضْلَلْتَنِي، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: خَيَّبْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: دَعَوْتَنِي إِلَى شَيْءٍ غَوَيْتُ مِنْ أَجْلِهِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: فَبِمَا أَهْلَكْتَنِي بِلَعْنِكَ إِيَّايَ. وَالْبَاءُ فِي (فَبِمَا) قِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى (مَعَ) ؛ وَالْمَعْنَى: فَمَعَ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ، وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: فَلِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ؛ وَالْمَعْنَى: فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ؛ كَأَنَّهُ سَأَلَ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَغْوَاهُ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ: فَبِمَ أَغْوَيْتَنِي؟ وَمَعْنَى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ : عَلَى صِرَاطِكَ، فَحُذِفَتْ (عَلَى) ؛ وَمَعْنَى ذَلِكَ: قُعُودُهُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ يَصُدُّ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَعْنَى: مِنْ قِبَلِ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ حَسَنَاتِهِمْ وَسَيِّئَاتِهِمْ. السُّدَّيُّ : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ : أَدْعُوهُمْ إِلَى الدُّنْيَا، وَأُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، وَمِنْ خَلْفِهِمْ : أُشَكِّكُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ : أُشَكِّكُهُمْ فِي الْحَقِّ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ : أُحَقِّقُ عِنْدَهُمُ الْبَاطِلَ. مُجَاهِدٌ : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ : مِنْ حَيْثُ يُبْصِرُونَ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ : مِنْ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ. وَقِيلَ: مَعْنَى مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ : تَزْيِينُهُ لَهُمْ مَنْعَ الصَّدَقَاتِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ : تَخْوِيفُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى تَرِكَاتِهِمْ، وَمَنْ يُخَلِّفُونَهُ بَعْدَهُمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ : مِنْ كُلِّ جِهَةٍ يَعْمَلُونَ مِنْهَا. وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ؛ أَيْ: مُوَحِّدِينَ. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا : ابْنُ عَبَّاسٍ : {مَذْءُومًا}: مَقِيتًا، مُجَاهِدٌ : مَنْفِيًّا. ابْنُ زَيْدٍ : {مَذْءُومًا} وَ (مَذْمُومًا): سَوَاءٌ. وَ (الْمَدْحُورُ): الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَغَيْرِهِ، وَأَصْلُهُ: الدَّفْعُ. وَجَوَابُ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ قَدْ أَغْنَى عَنْ جَوَابِ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ . فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ؛ أَيْ: لِيُظْهَرَ لَهُمَا مَا سُتِرَ عَنْهُمَا مِنْ فُرُوجِهِمَا، سُمِّيَ الْفَرْجُ سَوْءَةً؛ لِأَنَّ إِظْهَارَهُ يَسُوءُ صَاحِبَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْوَسْوَسَةِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: وَصَلَتْ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنَ الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: بَلْ وَسْوَسَ إِلَيْهِمَا مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ، وَهْمَا دَاخِلَهَا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: بَلْ كَانَا يَخْرُجَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي الْجَنَّةِ. وَقَاسَمَهُمَا ؛ أَيْ: حَلَفَ لَهُمَا، جَاءَ عَلَى (فَاعَلَتْ)، وَهُوَ مِنْ وَاحِدٍ؛ كَمَا قَالُوا: (عَافَاهُ اللَّهُ). فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ؛ أَيْ: غَرَّهُمَا بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمِهِ لَهُمَا. فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ؛ أَيْ: لَمَّا أَكَلَا مِنْهَا؛ سَقَطَ عَنْهُمَا لِبَاسُهُمَا، وَكَانَ -فِيمَا رُوِيَ- ظُفُرًا كُلُّهُ. وَمَعْنَى وَطَفِقَا : أَخَذَا، وَمَعْنَى يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ : يَقْطَعَانِ الْوَرَقَ، وَيُلْزِقَانِهِ؛ لِيَسْتَتِرَا بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ وَرَقُ التِّينِ. وَفِيمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَهُنَا دَلِيلٌ عَلَى قُبْحِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ ، وَمَا بَعْدَهُ: الضَّمَائِرُ فِيهَا لِلْأَرْضِ.

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية