الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجة عندهم )

قد تقدم الفرق بين الأدلة ، والأسباب والحجاج ، وأن الأدلة شأن المجتهدين ، والحجاج شأن القضاة والمتحاكمين والأسباب تعتمد المكلفين ، والمقصود هاهنا إنما هو الحجاج فنقول ، وبالله نستعين [ ص: 83 ] الحجاج التي يقضي بها الحاكم سبع عشرة حجة  الشاهدان ، الشاهدان واليمين ، والأربعة في الزنا ، والشاهد واليمين والمرأتان ، واليمين والشاهد والنكول ، والمرأتان والنكول ، واليمين والنكول ، وأربعة أيمان في اللعان ، وخمسون يمينا في القسامة ، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء ، واليمين وحدها بأن يتحالفا ، ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما بيمينه والإقرار ، وشهادة الصبيان ، والقافة ، وقمط الحيطان ، وشواهدها ، واليد فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحاكم ، وما عداه لا يقضي به عندنا ، وفيها شبهات ، واختلاف بين العلماء أنبه عليه فأذكر ما اختلف فيه حجة حجة بانفرادها ، وأورد الكلام فيها إن شاء الله تعالى الحجة

( الأولى الشاهدان ) والعدالة فيهما شرط عندنا ، وعند الشافعي وأحمد بن حنبل ، وقال أبو حنيفة العدالة حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها ، وإلا فلا ، وعندنا هي حق الله تعالى يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها ، وقال متأخرو الحنفية إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإسلام حيث كان الغالب العدالة فألحق النادر بالغالب فجعل الكل عدولا .

وأما اليوم فالغالب الفسوق فيلحق النادر بالغالب حتى تثبت العدالة ، والمنقول عن أبي حنيفة هو الأول ، واستثنى الحدود فلا يكتفي فيها بمجرد الإسلام بل لا بد من العدالة لأن الحدود حق لله تعالى ، وهو ثابت فتطلب العدالة ، وإذا كان المحكوم به حقا لآدمي يجرحها وجب البحث عنهما لنا إجماع الصحابة فإن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ، ولا يضركما أن لا أعرفكما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما تعرف صباحهما ، ومساءهما قال لا قال أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بينهما الأرحام قال لا فقال ابن أخي ما تعرفهما ائتياني بمن يعرفكما ، وهذا بحضرة الصحابة لأنه لم يكن يحكم إلا بحضرتهم ، ولم يخالفه أحد فكان إجماعا ، والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب من السفر وغيره إلا وقد عرف إسلامها لأنه لم يقل أتعرفهما مسلمين ، وليس ذلك استحبابا لأن تعجيل الحكم واجب على الفور عند وجود الحجة لأن أحد الخصمين على منكر غالبا ، وإزالة المنكر واجب على الفور ، والواجب لا يؤخر إلا لواجب ، ولقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } مفهومه أن غير العدل لا يستشهد ، وقوله { منكم } إشارة إلى المسلمين فلو كان الإسلام كافيا لم يبق في لتقييد فائدة .

والعدل مأخوذ [ ص: 84 ] من الاعتدال في الأقوال والأفعال والاعتقاد فهو وصف زائد على الإسلام ، وغير معلوم بمجرد الإسلام وقوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء } ، ورضاء الحاكم بهم فرع معرفتهم وبالقياس على الحدود وبالقياس على طلب الخصم العدالة فإن فرقوا بأن العدالة حق للخصم فإذا طلبها تعينت ، وأن الحدود حق لله تعالى ، وهو ثابت عن الله منعنا أن العدالة حق لآدمي بل حق لله تعالى في الجميع فيتجه القياس ، ويندفع الفرق بالمنع احتجوا بقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ولم يشترط العدالة ، وبقول عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في حد { وقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابي بعد أن قال له أتشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله } فلم يعتبر غير الإسلام ، ولأنه لو أسلم كافر بحضرتنا جاز قبول قوله مع أنه لم يتحقق منه إلا الإسلام ، ولأن البحث لا يؤدي إلى تحقق العدالة ، وإذا كان المقصود الظاهر فالإسلام كاف في ذلك لأنه أتم وازع ، ولأن صرف الصدقة يجوز بناء على ظاهر الحال من غير بحث ، وعمومات النصوص والأوامر تحمل على ظاهرها من غير بحث فكذلك هاهنا يتوضأ بالمياه ، ويصلي بالثياب بناء على الظواهر من غير بحث فكذلك هاهنا قياسا عليها ، والجواب عن الأول أنه مطلق فيحمل على المقيد ، وهو قوله ذوي عدل منكم فقيد بالعدالة ، وإلا لضاعت الفائدة في هذا القيد ، وقيد أيضا برضاء الحاكم .

وهو مشروط بالبحث ، ولأن الإسلام لا يكفي فيه ظاهر الدار فكذلك لا يكفي الإسلام في العدالة ، وعن الثاني أنه يدل على اعتبار وصف العدالة بقوله عدول فلو لم يكن معتبر السكت عنه ، وهو معارض بقوله في آخر الأمر لا يؤمر مسلم بغير العدول ، والمتأخر ناسخ للمتقدم ، ولأن ذلك كان في صدر الإسلام حيث العدالة غالبة بخلاف غيره ( وعن الثالث ) أن السؤال عن الإسلام لا يدل على عدم سؤاله عن غيره فلعله سأل أو كان غير هذا الوصف معلوما عنده ( وعن الرابع ) أنا لا نقبل شهادته حتى نعلم سجاياه ، وعدم جرأته على الكذب ، وإن قبلناه فذلك لأجل تيقننا عدم ملابسته ما ينافي العدالة بعد إسلامه

( وعن الخامس ) أنه باطل بالإسلام فإن البحث عنه لا يؤدي إلى يقين ، ويحكم الحاكم في القضية التي لا نص فيها ، ولا إجماع فإن بحثه لا يؤدي إلى يقين .

وأما الفقر فلا بد من البحث عنه ، ولأن الأصل هو الفقر بخلاف العدالة بل وزانه هاهنا أن [ ص: 85 ] تعلم عدالته في الأصل فإنا لا نبحث عن مزيلها ، وكذلك أصل الماء الطهارة فلا يخرج عن ذلك إلا بتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، وذلك معلوم بالقطع فلا حاجة إلى البحث ، ولأن الأصل الطهارة بخلاف العدالة ، وأما العمومات والأوامر فإنا لا نكتفي بظاهرها بل لا بد من البحث عن الصارف المخصص ، وغيره ، ولأن الأصل بقاؤها على ظاهرها .

التالي السابق



الخدمات العلمية