الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      الْمَقَامُ الثَّانِي : فِي حُكْمِهِ وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ قِيَاسِ الْعِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ . وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ إذَا تَعَذَّرَتْ . وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ . أَحَدُهَا : أَنَّهُ حُجَّةً ، وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ . وَقَالَ شَارِحُ الْعُنْوَانِ : إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ . وَقَالَ فِي الْقَوَاطِعِ : إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ أَشَارَ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ فِي إيجَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ كَالتَّيَمُّمِ : طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ . وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْأُمِّ فِي بَابِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، فَذَاكَ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافًا . وَالثَّانِي أَنْ يُشْبِهَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ مِنْ أَصْلٍ ، وَيُشْبِهَ مِنْ أَصْلٍ غَيْرِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَمَوْضِعُ الصَّوَابِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ : فَأَيُّهُمَا كَانَ أَوْلَى بِشَبَهِهِ صِيرَ إلَيْهِ ، فَإِنْ اشْتَبَهَ أَحَدُهُمَا فِي خَصْلَتَيْنِ ، وَالْآخَرُ فِي خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِاَلَّذِي أَشْبَهَ فِي خَصْلَتَيْنِ . انْتَهَى . حَكَى هَذَا النَّصَّ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ . قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ قَوْلَهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهَا عِلَّةً لِحُكْمٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا حُكِمَ بِتَرْجِيحِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ فِي الْفَرْعِ بِكَثْرَةِ الشَّبَهِ . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ " فَمَوْضِعُ الصَّوَابِ . . . " إلَى آخِرِهِ ، يُرِيدُ إذَا كَانَتْ كُلُّ خَصْلَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ صَاحِبَتِهَا مِثْلَ الْأَخِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَالْأَبِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَابْنِ الْعَمِّ ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْأَبَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ مَحْرَمٌ لَهُ بِالْقَرَابَةِ ، وَيُشْبِهُ ابْنَ الْعَمِّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ ، وَجَرَيَانِ الْقِصَاصِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مَعَهُمَا ، وَجَرَيَانِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِلْحَاقُهُ بِابْنِ الْعَمِّ حَتَّى لَا يُعْتَقَ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ أَوْلَى . وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ الْقَوْلَ بِالشَّبَهِ بِطَرِيقِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ . قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى : وَلَعَلَّ أَكْثَرَ أَقْيِسَةِ الْفُقَهَاءِ قِيَاسُ الشَّبَهِ . قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ ؟ فَإِنَّهُ يُوهِمُ الِاجْتِمَاعَ فِي مُنَاسِبٍ ، وَهُوَ مَأْخَذُ الشَّبَهِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَاسِبِ . وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : مَسْحُ الرَّأْسِ لَا يَتَكَرَّرُ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ لَا يَتَكَرَّرُ ، قِيَاسًا عَلَى الْخُفِّ . وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي : قِيَاسُ الشَّبَهِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمَعْنَوِيَّ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً لِأَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ ، وَالشَّبَهُ يُفِيدُهَا أَيْضًا . وَمَنْ أَنْكَرَهَا فِي الشَّبَهِ كَانَ مُنْكَرُهَا فِي قِيَاسِ الْمَعْنَى . انْتَهَى . وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ نِسْبَةَ الْقَوْلِ بِالشَّبَهِ إلَى الشَّافِعِيِّ ، مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : لَا يَكَادُ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالشَّبَهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَعَ عُلُوِّ رُتْبَتِهِ فِي الْأُصُولِ . وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ مُتَأَوَّلٌ مَحْمُولٌ عَلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ ، فَإِنَّهُ يُرَجِّحُ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ وَيَجُوزُ تَرْجِيحُ الْعِلَلِ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ . قُلْت : وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الرِّسَالَةِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَرَّمَ الشَّيْءَ مَنْصُوصًا ، أَوْ أَحَلَّ لِمَعْنًى ، فَإِذَا وَجَدْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيمَا لَمْ يَنُصَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ أَحْلَلْنَاهُ أَوْ حَرَّمْنَاهُ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ . أَوْ تَجِدُ الشَّيْءَ يُشْبِهُ مِنْهُ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا نَجِدُ شَيْئًا أَقْرَبَ مِنْهُ شَبَهًا مِنْ أَحَدِهِمَا فَنُلْحِقُهُ بِأَوْلَى الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الصَّيْدِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الْقِيَاسُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَلَا يَخْتَلِفُ الْقِيَاسُ فِيهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ لَهُ الْأُصُولُ أَشْبَاهًا بِذَلِكَ ، فَيُلْتَحَقُ بِأَوْلَاهَا بِهِ وَأَكْثَرِهَا شَبَهًا بِهِ . وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْقَائِسُونَ فِي هَذَا . انْتَهَى . الْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ ادَّعَى التَّحْقِيقَ مِنْهُمْ ، وَصَارَ إلَيْهِ أَبُو زَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ انْتَهَى . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالشِّيرَازِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، كَمَا نُقِلَ فِي الْبَحْرِ ، وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ ، لَكِنْ هُوَ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ صَالِحٌ لَأَنْ يُرَجَّحَ بِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي بَابِ " تَرْجِيحِ الْعِلَلِ " مِنْ كِتَابِ التَّقْرِيبِ . وَقَالَ إلْكِيَا : وَرُبَّمَا تَرَدَّدَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي تَصَانِيفِهِ فِي إبْطَالِ الشَّبَهِ فَقَالَ : إنْ لَمْ يُبَيِّنْ مُسْتَنَدَ ظَنِّهِ كَانَ مُتَحَكِّمًا ، وَإِنْ بَيَّنَ كَانَ مُخَيِّلًا . وَرُبَّمَا قَالَ : الْإِشْبَاهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ . قَالَ : وَقَدْ بَيَّنَّا تَصَوُّرَهَا لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّتِهِ فِي أَنَّهُ بِمَاذَا يُعْتَبَرُ ، عَلَى مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : اعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا . وَالثَّانِي : بِشَرْطِ ذَهَابِ الصُّورَةِ إلَى الْحُكْمِ فِي وَاقِعَةٍ لَا يُوجَدُ مِنْهَا إلَّا الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ . وَالثَّالِثُ : بِشَرْطِ أَنْ يَجْتَذِبَ الْفَرْعَ أَصْلَانِ ، وَلَيْسَ أَصْلٌ سِوَاهُمَا ، فَيُلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ . حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ . وَالرَّابِعُ : بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلْحُكْمِ عِلَّةٌ بِعَيْنِهِ ، وَإِلَّا كَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا أَوْلَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَشْبَاهٍ وَصِفَاتٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ . حَكَاهُ الْقَاضِي وَقَالَ : إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي قَبْلَهُ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية