الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 4835 ص: وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، فَقَالُوا: حَدُّ الْبِكْرِ إِذَا زَنَى مِائَةُ جَلْدَةٍ، وَلَا نَفْيَ عَلَيْهِ مَعَ الْجَلْدِ إِلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ أَنْ يَنْفِيَهُ لِلدِّعَارَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُ، فَيَنْفِيهِ إِلَى حَيْثُ أَحَبَّ كَمَا يُنْفَى الدُّعَّارُ غَيْرُ الزُّنَاةِ. شرح معاني الآثار ش: أَيْ خَالَفَ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَأَرَادَ بِهِمْ: إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا وَزُفَرَ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْبِكْرُ إِذَا زَنَى جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا يُنْفَى، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ دَاعِرًا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْفِيهِ إِلَى حَيْثُ شَاءَ إِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: "أَنْ يَنْفِيَهُ لِلدَّعَارَةِ" بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْفَاعِلُ مِنْهُ دَاعِرٌ وَهُوَ الْمُفْسِدُ الْخَبِيثُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الدَّعَارَةُ الْفَسَادُ وَالشَّرُّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الدَّعَرُ -بِالتَّحْرِيكِ-: الْفَسَادُ، وَالدَّعَرُ أَيْضًا مَصْدَرُ قَوْلِكَ: دَعِرَ الْعُودُ -بِالْكَسْرِ- يَدْعَرُ دَعَرًا فَهُوَ عُودٌ دَعِرٌ: أَيْ رَدِيءٌ كَثِيرُ الدُّخَانِ، وَمِنْهُ أُخِذَتِ الدَّعَارَةُ وَهِيَ الْفِسْقُ وَالْخُبْثُ، يُقَالُ: هُوَ خَبِيثٌ دَاعِرٌ بَيِّنُ الدَّعَرِ، وَالْمَرْأَةُ دَاعِرَةٌ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ نَفْيُ الزَّانِي الدَّاعِرِ لِفُشُوِّ فَسَادِهِ وَكَثْرَةِ فِسْقِهِ، فَيَنْفِيهِ قَطْعًا لِشَرِّهِ وَحَسْمًا لِفَسَادِهِ، وَمَكَانُ النَّفْيِ وَمُدَّتُهُ مَوْكُولَانِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: "كَمَا يُنْفَى الدُّعَّارُ غَيْرُ الزُّنَاةِ" الدُّعَّارُ بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ جَمْعُ دَاعِرٍ، وَالزُّنَاةُ جَمْعُ زَانٍ، أَرَادَ أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ نَفْيُ الدَّاعِرِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ الزِّنَا عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ التَّغْرِيبُ فِي الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ غَرَّبَ فِي الْخَمْرِ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِذَا غَضِبَ عَلَى رَجُلٍ نَفَاهُ إِلَى الشَّامِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ وَنَفَاهُ إِلَى زُرَارَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْكُوفَةِ، وَكَذَا جَاءَ النَّفْيُ فِي الْمُخَنَّثِينَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، وَأَخْرَجَ فُلَانًا وَأَخْرَجَ فُلَانًا" فَهَذَا هُوَ حَدُّهُمْ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَبِنَفْيِ الْمُخَنَّثِينَ يَقُولُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، فَنَفْيُهُمْ وَاجِبٌ إِلَى مَكَانٍ لَا يَتَمَكَّنُونَ بِهِ مِنْ أَذَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية