الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 111 ص: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، قَالَ: ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهِ ، عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: " لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ. قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ؟ قَالَ: الَّذِي يَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ، وَلَا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُعْطَى". ) . شرح معاني الآثار ش: لَمَّا نَظَّرَ بِهَذَا فِي مَعْنَى نَفْيِ الْكَمَالِ ذَكَرَهُ مُسْنَدًا وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ اسْمُهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالْحَوْضِيُّ نِسْبَةً إِلَى حَوْضِ دَاوُدَ ، مَحَلَّةٍ كَانَتْ بِبَغْدَادَ . وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيُّ قَالَ الْأَزْدِيُّ صَدُوقٌ، وَفِي "الْمِيزَانِ": ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَبُو الْأَحْوَصِ اسْمُهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ وَلَا بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَلَا التَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ" وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ غَيْرُ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالِي. قَوْلُهُ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ" هُوَ مِفْعِيلٌ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ كَمِنْطِيقٍ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّكُونِ، وَيَسْتَوِي فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، يُقَالُ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وَامْرَأَةٌ مِسْكِينٌ، وَيُقَالُ: مِسْكِينَةٌ أَيْضًا، وَجَمْعُهُ مَسَاكِينُ وَمِسْكِينُونَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْمِسْكِينُ الْفَقِيرُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الذِّلَّةِ وَالضَّعْفِ، يُقَالُ: تَسَكَّنَ الرَّجُلُ وَتَمَسْكَنَ، كَمَا قَالُوا: تَمَدْرَعَ مِنَ الْمَدْرَعَةِ، وَتَمَنْدَلَ مِنَ الْمِنْدِيلِ عَلَى تَمَفْعَلَ وَهُوَ شَاذٌّ، وَالْقِيَاسُ: تَسَكَّنَ وَتَدَرَّعَ وَتَنَدَّلَ، مِثْلُ: تَسَمَّعَ وَتَحَلَّمَ، وَكَانَ يُونُسُ يَقُولُ: الْمِسْكِينُ أَشَدُّ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، قَالَ: وَقُلْتُ لِأَعْرَابِيٍّ: أَنْتَ أَفَقِيرٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، بَلْ مِسْكِينٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَسَاكِينُ هُمُ الطَّوَّافُونَ، وَالْفُقَرَاءُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ : أَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْفَقِيرَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ. وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي بِهِ زَمَانَةٌ، وَالْمِسْكِينَ الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ وَلَا يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَلَا يُغْنِيهِ، سَائِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَالْفَقِيرُ مَنْ لَهُ الْبُلْغَةُ مِنَ الْعَيْشِ، وَاحْتَجَّ بَقَوْلِ الرَّاعِي: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ . قَالَ: فَجَعَلَ لِلْفَقِيرِ حَلُوبَتَهُ. وَقِيلَ: الْمِسْكِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَثْبَتَ لَهُمْ مَعَ الْمَسْكَنَةِ مُلْكًا وَكَسْبًا، وَهُمَا: السَّفِينَةُ، وَالْعَمَلُ بِهَا فِي الْبَحْرِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَجَازًا، عَلَى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مَطْلُوبِينَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: الْفَقِيرُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ قِيلَ عَلَى الْعَكْسِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَوَجْهُهُ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أَيْ: لَاصِقًا بِالتُّرَابِ مِنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِنِ انْكِسَارِ فَقَارِ الظَّهْرِ فَيَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ مَاذَا؟ قُلْتُ: فِي الْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ وَفِي الزَّكَاةِ لَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ عِنْدَنَا. قَوْلُهُ: "بِالطَّوَّافِ" خَبَرُ لَيْسَ، وَ"الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ" جُمْلَةٌ وَقَعَتْ صِفَةً لِلْمِسْكِينِ، يَعْنِي لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالدَّوَرَانِ عَلَى النَّاسِ، وَالطَّوَّافُ: اسْمٌ مِنَ الطَّوْفِ، يُقَالُ: طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ يَطُوفُ طَوْفًا، وَطَوَفَانًا، وَتَطَوَّفَ، وَاسْتَطَافَ كُلُّهُ بِمَعْنًى. قَوْلُهُ: "مَا يُغْنِيهِ" مِنَ الْإِغْنَاءِ. قَوْلُهُ: "وَلَا يُعْطَى لَهُ" عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ لَا يُعْلَمُ لَهُ فَقْرٌ حَتَّى يُعْطَى لَهُ شَيْءٌ، مِنْ فَطَنَ يَفْطِنُ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية