الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      مسند الشافعي 1216 [ 1262 ] أَبَنَا الرَّبِيعُ، أَبَنَا الشَّافِعِيُّ، أَبَنَا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، سَمِعَهُ يَقُولُ: تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ فَقَالَتِ: اصْبِرْ لِي وَأُنْفِقْ عَلَيْكَ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا تَقُولُ: أَيْنَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، فَسَكَتَ عَنْهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا بِرْمًا، قَالَتْ: أَيْنَ [عُتْبَةُ] بْنُ رَبِيعَةَ وَأَيْنَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ وَقَالَ: عَلَى يَسَارِكِ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلْتِ، فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَجَاءَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا كُنْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: فَأَتَيَاهُمَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ شَدَّا عَلَيْهِمَا أَثْوَابَهُمَا وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا . شرح مسند الشافعي الشَّرْحُ عُبَيْدَةُ: هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ الْمُرَادِيُّ الْكُوفِيُّ -وَسَلْمَانُ: حَيٌّ مِنْ مُرَادٍ- أَبُو مُسْلِمٍ، وَيُقَالُ: أَبُو عَمْرٍو، مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَنَتَيْنِ وَصَلَّى، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ. سَمِعَ: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ. وَرَوَى عَنْهُ: مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ . وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هُوَ أَبُو يَزِيدَ الْهَاشِمِيُّ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَخُوهُ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ. رَوَى عَنِ: النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى عَنْهُ: مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلٍ . وَإِذَا اشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَكَانَا يَتَشَاتَمَانِ وَيَتَضَارَبَانِ، فَيَبْعَثُ الْقَاضِي حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا لِيَنْظُرَا فِي شَأْنِهِمَا وَيُصْلِحَا بَيْنَهُمَا أَوْ يُفَرِّقَا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْإِصْلَاحُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا الْآيَةَ ، أَيْ: عَلِمْتُمْ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي أَنَّ الْمَبْعُوثَيْنِ حَاكِمَانِ أَوْ وَكِيلَانِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ مُوَلَّيَانِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ. وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ; لِأَنَّهُمَا رَشِيدَانِ، فَلَا يُوَلَّ عَلَيْهِمَا. وَاحْتُجَّ بِأَثَرِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ; فَإِنَّهُ جَعَلَ الْجَمْعَ وَالتَّفْرِيقَ إِلَيْهِمَا، وَلِلْقَوْلِ الثَّانِي بِأَنَّهُ اعْتُبِرَ رِضَاهُمَا وَإِقْرَارُهُمَا. وَقَوْلُهُ: "حَتَّى تُقِرَّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ" مَعْنَاهُ: عَلَيْكَ [أَنْ] تَنْقَادَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا انْقَادَتْ. وَإِذَا جَعَلْنَاهُمَا حَكَمَيْنِ جَازَ بَعْثُهُمَا بِدُونِ رِضَا الزَّوْجَيْنِ، وَلِحُكْمِ الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ إِذَا رَآهُ، وَأَنْ يُخَالِعَ إِذَا سَاعَدَهُ حُكْمُ الْمَرْأَةِ; وَإِذَا جَعَلْنَاهُمَا وَكِيلَيْنِ فَيَبْعَثَانِ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ، وَيُوَكِّلُ الزَّوْجُ حَكَمَهُ بِالطَّلَاقِ وَقَبُولِ الْعِوَضِ فِي الْخُلْعِ، وَالْمَرْأَةُ حَكَمَهَا بِقَبُولِ الطَّلَاقِ عَلَى الْعِوَضِ. وَقِصَّةُ عَقِيلٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْأُمِّ مَعَ زِيَادَةٍ تُحْسِنُ الْكَلَامَ وَيَتِمُّ وَهِيَ أَنَّهُ قَالَ: فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ: أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ أَيْنَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ فَيَسْكُتُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهُوَ بَرِمٌ، فَقَالَتْ: أَيْنَ عُتْبَةُ ابْنُ رَبِيعَةَ أَيْنَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ فَقَالَ: عَلَى يَسَارِكِ فِي النَّارِ. وَقَوْلُهَا: "اصْبِرْ لِي" كَأَنَّهَا تَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا يَقْنَعُ بِهَا لِتُنْفِقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا الْإِنْفَاقُ فَتُؤْذِيهِ بِقَوْلِهَا: "أَيْنَ عُتْبَةُ أَيْنَ شَيْبَةُ؟. وَقَوْلُهُ: "فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا" أَيْ: لِتَحْتَجِبَ بِهَا إِذَا خَرَجَتْ. وَقَوْلُهُ: "لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا" فِيهِ إِشْعَارٌ بِاسْتِقْلَالِ الْحَكَمَيْنِ بِالتَّفْرِيقِ. الْأَصْلُ

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية