الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  جزء صفحة
                                                                  صحيح البخاري 2142 2261 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، فَقُلْتُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. فَقَالَ: "لَنْ - أَوْ لَا - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ". [3038، 4341، 4342، 4343، 4344، 4345، 6124، 6923، 7149، 7156، 7157، 7172 - مُسْلِمٍ: 1733 - فَتْحَ: 4 \ 439] التوضيح ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ: أَبِي مُوسَى : "الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طِيَبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَيْضًا: "إِنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ". أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ مِنْ قَوْلِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ صَفُورَاءَ، وَقِيلَ: ابْنَةِ أَخِيهِ، وَكَانَ شُعَيْبٌ غَيُورًا فَقَالَ لَهَا: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتِ قُوَّتَهُ وَأَمَانَتَهُ؟ قَالَتْ: أَمَّا قُوَّتُهُ: فَإِنَّهُ قَلَّ حَجَرًا لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَشَرَةٌ، أَوْ أَرْبَعُونَ، أَوْ جُمْلَةٌ مِنَ النَّاسِ، فِئَامٌ مِنْهُمْ، أَوْ لَمْ أَرَ رَجُلًا أَقْوَى فِي السِّقَاءِ مِنْهُ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ: فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ مَعِي مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: كُونِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِئَلَّا تَصِفَكِ الرِّيحُ، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى عَجُزَهَا، أَوْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: وُلِدَتْ صَفُورَاءُ، ثُمَّ بَعُدَ نِصْفِ يَوْمٍ وُلِدَتْ غَيْرَاءُ، فَهُمَا تَوْأَمٌ، وَكَانَ بَيْنَ الْمَكَانِ الَّذِي سَقَى فِيهِ الْغَنَمَ وَبَيْنَ شُعَيْبٍ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ شُعَيْبًا هُوَ ابْنُ يَثْرُونَ بْنِ صَيْفُونَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُقَالُ: شُعَيْبُ بْنُ مَلْكَايِنَ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِنْ مَدْيَنَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ آمَنُوا بِإِبْرَاهِيمَ حِينَ نَجَا مِنَ النَّارِ. وَابْنَتَاهُ كَيَاءُ وَصَفُورَاءُ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُمَا بِنْتَا شُعَيْبٍ، وَقِيلَ: إِنَّ شُعَيْبًا مِنْ عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَرُوِيَ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ سَعْدٍ لَمَّا انْتَسَبَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَنَزَةَ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةُ، رَهْطُ شُعَيْبٍ، وَأُخْتَانِ مُوسَى" فَإِنْ صَحَّ فَعَنَزَةُ إِذًا لَيْسَ هُوَ ابْنَ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَإِنَّ مَعَدًّا كَانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ بِنَحْوٍ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ. قُلْتُ: وَقِيلَ: اسْمُ إِحْدَاهُمَا شَرَفَا، وَقِيلَ: صُفَيْرَاءُ بِنْتَا يَثْرَوُنَ، وَالَّتِي تَزَوَّجَهَا الصُّغْرَى. وَقَوْلُهَا: ( اسْتَأْجِرْهُ ) أَيْ: لِرَعْيِ غَنَمِكَ، وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا؛ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ عَلَى حِرْزِ مَاشِيَتِكَ وَإِصْلَاحِهَا، الْأَمِينُ عَلَيْهَا فَلَا يُخَافُ مِنْهُ فِيهَا خِيَانَةً، وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ. وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ : (وَالْخَازِنُ الْأَمِينُ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ)، قَدْ سَاقَهُمَا بَعْدُ، وَسَلَفَ فِي الزَّكَاةِ بَعْضُهُ مَعَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا مَعْنَى الْإِجَارَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : ذِكْرُهُ لِلْخَازِنِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِجَارَةً، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْخَازِنَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ، فَلِذَا أَدْخَلَهُ هُنَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا أَدْخَلَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ أَمِينٌ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ضَمَانٌ إِنْ فَسَدَ أَوْ تَلِفَ، إِلَّا أَنْ يُضَيِّعَ تَضْيِيعًا مَعْلُومًا، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ جَفْنَةً أَنَّهُ لَهَا ضَامِنٌ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الضَّيَاعِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَلَمَّا كَانَ طَلَبُ الْعِمَالَةِ دَلِيلًا عَلَى الْحِرْصِ وَجَبَ أَنْ يُحْتَرَسَ مِنَ الْحَرِيصِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ لَا يُعَانُ مَنْ طَلَبَ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَطْلُبُهُ، وَإِنَّمَا يُعَانُ عَلَيْهِ مَنْ طُلِبَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي عِلْمِ اللَّهِ مَعْرُوفًا وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَجَبَ أَلَّا يُسْتَعْمَلَ مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَانُ عَلَيْهِ مِمَّنْ طَلَبَهُ، فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِضَمِّ السُّلْطَانِ لَهُ إِلَيْهِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَطَّلِعُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: ("أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ") رُوِيَ بِالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ. وَقَوْلُهُ: ("إِنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ") وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ "إِنَّا إِنْ نَسْتَعْمِلْ" وَفِي أُخْرَى: "إِنَّ أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ" وَصَحَّحَ عَلَيْهَا الدِّمْيَاطِيُّ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : "أَوْ لَا" ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ (اللَّامِ)، فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ مِنْ وَلَّى، وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، كَأَنَّهُ شَكَّ هَلْ قَالَ: إِنَّ، أَوْ لَا. وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى دَالٌّ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ قَالَ تَعَالَى: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التَّوْبَةِ: 60]. وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ مُرِيدُ الْإِمَارَةِ مِنْ وَالٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَهِيَ نَهْيٌ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، لَمَّا قَالَ: لَا يَسْأَلُ الْإِمَارَةَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا هَذَا أَحَدًا يَسْأَلُهُ وَيَحْرِصُ عَلَيْهِ.

                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                  الخدمات العلمية