الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 52 39 - بَابٌ: فَضْلُ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ 52 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". [2051 - مُسْلِمٍ: 1599 - فَتْحَ: 1 \ 126] التوضيح ثِنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثْنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْبُيُوعِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ (أَبِي) عَدِيٍّ [عَنِ ابْنِ عَوْنٍ] ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ فِيهِ فِي الْبُيُوعِ: "وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَتَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَتَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ". وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَكَرِيَّا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ زَكَرِيَّا. وَعَنْ إِسْحَاقَ [عَنْ] عِيسَى، عَنْ زَكَرِيَّا. وَعَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مِطْرَفٍ وَأَبِي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ. وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَعَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ عِجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ بِهِ. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَوَاثِلَةَ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حَذْلَمٍ فِي "جُزْئِهِ" مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ مُشْتَبِهَاتٌ، فَدَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ". وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ فَأَخْرَجَهُ (الْجَوْزِيُّ) مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ، عَنْ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: "لِتُفْتِكَ نَفْسُكَ" قُلْتُ: وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونُ" قُلْتُ: وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: "تَضَعُ يَدَكَ عَلَى قَلْبِكَ، فَإِنَّ الْفُؤَادَ يَسْكُنُ إِلَى الْحَلَالِ وَلَا يَسْكُنُ إِلَى الْحَرَامِ، وَإِنَّ الْوَرِعَ الْمُسْلِمَ يَدَعُ الصَّغِيرَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي الْكَبِيرَةِ". الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي التَّعْرِيفِ بِرُوَاتِهِ: أَمَّا النُّعْمَانُ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَلَّاسٍ -بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ- الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، وَأُمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْهَا. وُلِدَ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: وُلِدَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِنَ الْهِجْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي. رُوِيَ لَهُ مِائَةُ حَدِيثٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا. قُتِلَ بِقَرْيَةٍ عِنْدَ حِمْصَ سَنَةَ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ. تَنْبِيهٌ: نُقِلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلنُّعْمَانِ سَمَاعٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ هَذَا الْحَدِيثُ، فَإِنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِهِ، وَكَذَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ : وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ. وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ. فَائِدَةٌ: لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مَنِ اسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ غَيْرُ هَذَا فَهُوَ مِنَ الْأَفْرَادِ، وَفِيهِمُ النُّعْمَانُ جَمَاعَاتٌ فَوْقَ الثَّلَاثِينَ. وَأَمَّا عَامِرٌ فَهُوَ الشَّعْبِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَكَرَّرَهَا شَيْخُنَا قُطْبُ الدِّينِ فِي "شَرْحِهِ". وَأَمَّا زَكَرِيَّا فَهُوَ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ خَالِدِ بْنِ مَيْمُونَ بْنِ فَيْرُوزَ الْهَمْدَانِيُّ الْوَادِعِيُّ الْكُوفِيُّ، سَمِعَ جَمْعًا مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ، وَالسَّبِيعِيُّ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةَ وَخَلْقٌ. مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فَهُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ -بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ كَافٍ مَفْتُوحَةٍ- وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ زُهَيْرٍ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الطَّلْحِيُّ الْمُلَائِيُّ. مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ يَبِيعُ الْمُلَاءَ فَقِيلَ لَهُ: الْمُلَائِيُّ -بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَدِّ- سَمِعَ الْأَعْمَشَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْكِبَارِ، وَقَلَّ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي كَثْرَةِ الشُّيُوخِ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: شَارَكْتُ الثَّوْرِيَّ فِي أَرْبَعِينَ شَيْخًا، أَوْ خَمْسِينَ شَيْخًا. وَاتَّفَقُوا عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَوَصْفِهِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَمَنَاقِبُهُ جَمَّةٌ. وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَ أَتْقَنَ أَهْلِ زَمَانِهِ، قَالَهُ ابْنُ مَنْجُوَيْهِ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَدْرَكْتُ ثَمَانَمِائَةِ شَيْخٍ مِنْهُمُ الْأَعْمَشُ فَمَنْ دُونَهُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَمَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ بِهَذَا إِلَّا رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ. رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَهُوَ وَمُسْلِمٌ (وَالْأَرْبَعَةُ) (بِوَاسِطَةٍ). وَوَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ رُبَاعِيًّا مِنْ جِهَةِ شَيْخِهِ هَذَا، وَوَقَعَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ خُمَاسِيًّا كَمَا أَسْلَفْنَاهُ، وَكَذَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِي أَعْلَى طُرُقِهِ خُمَاسِيًّا كَمَا سَلَفَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ حَفِيلٌ جَلِيلٌ، وَهُوَ إِحْدَى قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ مَدَارُهَا وَأُسُّهَا، وَإِنْ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ ثُلُثَهَا وَبَعْضُهُمْ رُبُعَهَا كَمَا سَلَفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِذِكْرِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ، وَمَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ وَمَا يُفْسِدُهَا وَتَعَلُّقُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ بِهَا; فَيَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا أَصْلًا وَفَرْعًا. وَلْنَذْكُرْ نُبْذَةً مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، فَإِنَّا قَدْ بَسَطَنَا شَرْحَهُ فِي "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" و"شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ". الْأُولَى: ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ لَا شَكَّ فِي حِلِّهِ، وَضَرْبٌ لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَضَرْبٌ ثَالِثٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ مُشْتَبَهٌ، فَمَنِ اجْتَنَبَهُ فَقَدْ بَرَّأَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ خَالَطَهُ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَفِي هَذَا الْمَشْكُوكِ فِيهِ تَفَاصِيلُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، فَمِنْهُ مَا يُرَدُّ إِلَى أَصْلِهِ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا يَغْلِبُ فِيهِ الْإِبَاحَةُ، وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ احْتِيَاطًا، فَمُعَامَلَةُ مَنْ كَانَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ أَوْ خَالَطَهُ رِبًا مَكْرُوهَةٌ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ("وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ") كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ هُنَا، وَفِيهِ فِي الْبُيُوعِ: "أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ"، وَجَاءَ أَيْضًا "مُشْتَبِهَاتٌ" وَ"مُتَشَبِّهَاتٌ"، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْنَى: مُشْكِلَاتٌ; لِمَا فِيهِ مِنْ شُبَهِ طَرَفَيْنِ (مُخَالِفَيْنِ)، وَتَشْتَبِهُ: تَفْتَعِلُ، أَيْ: تَشْكُلُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [الْبَقَرَةِ: 70] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزُّمُرِ: 23] فَمَعْنَاهُ: فِي الصِّدْقِ وَالْحِكْمَةِ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ. الثَّالِثَةُ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي اجْتِنَابُهَا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الَّذِي تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَدِلَّةُ فَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ فِي حُكْمِهِ أَقْوَالًا: أَحَدُهَا: حُرْمَتُهُ; لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الْحَرَامِ. وَثَانِيهَا: كَرَاهَتُهُ، وَالْوَرَعُ تَرْكُهُ. ثَالِثُهَا: يُتَوَقَّفُ فِيهِ. وَصَوَّبَ الثَّانِيَ; لِأَنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَهَا مِنَ الْحَرَامِ فَهِيَ مُرْتَابٌ فِيهَا، وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ". وَهَذَا هُوَ الْوَرَعُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَلَالٌ يُتَوَرَّعُ عَنْهَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْحَلَّالِ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ; وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا عَنْ أَهْلِ الْأُصُولِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخْرَجَةٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَصَحُّهَا: لَا يُحْكَمُ بِشَيْءٍ، وَالثَّانِي: الْإِبَاحَةُ، وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَكْرُوهَاتُ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا. الثَّالِثُ: أَنَّهَا الْمُبَاحُ وَهُوَ مَرْدُودٌ كَمَا سَلَفَ، وَزُهْدُ الْأَوَّلِينَ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى مُوجَبٍ شَرْعِيٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِيمَا يُكْرَهُ إِمَّا مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا، وَإِمَّا مِنَ الْحِسَابِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِالشُّكْرِ; (لِأَنَّ) حَقِيقَةَ الْمُبَاحِ التَّسَاوِي. الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ("لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ") أَيْ: بِسَبَبِ اشْتِبَاهِهَا عَلَى بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لَا أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا مُشْتَبِهَةٌ مُسْتَبْهَمَةٌ عَلَى كُلِّ النَّاسِ لَا بَيَانَ لَهَا، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْرِفُونَهَا; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عَلَيْهَا دَلَائِلَ يَعْرِفُهَا بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَلَكِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ; وَلِهَذَا نُفِيَ عِلْمُهَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَقُلْ: لَا يَعْلَمُهَا كُلُّ النَّاسِ أَوْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. الْخَامِسَةُ: لَمَّا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبُيُوعِ، بَابَ تَفْسِيرِ (الْمُشْتَبَهَاتِ) ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَقِبَهُ بِقَوْلِ حَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ، دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ فِي الرِّضَاعِ وَقَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟"، وَحَدِيثِ: "احْتَجِبِي مِنْهُ"، وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّيْدِ: "لَا تَأْكُلْ". ثُمَّ تَرْجَمَ بَابَ: مَا يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبَهَاتِ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ التَّمْرَةِ السَّاقِطَةِ وَتَرْكِهَا خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، عَقَّبَهُ بِبَابٍ آخَرَ فِيمَا لَا يُجْتَنَبُ فَقَالَ: بَابُ: مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنَ الشُّبَهَاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الرَّجُلِ (الَّذِي) يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: "سَمُّوا عَلَيْهِ (وَكُلُوهُ) " وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَرْكِ الطَّيِّبِ وَتَرْكِ لُبْسِ النَّاعِمِ. هَلْ هُوَ طَاعَةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْقَاضِيَ أَبُو الطَّيِّبِ: إِنَّهُ طَاعَةٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ أُمُورِ السَّلَفِ مِنْ خُشُونَةِ الْعَيْشِ، وَخَالَفَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ [الْأَعْرَافِ: 32] الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَتَفَرُّغِهِمْ لِلْعِبَادَةِ، وَقُصُورِهِمْ، وَاشْتِغَالِهِمْ بِالضِّيقِ وَالسِّعَةِ، وَصَوَّبَهُ الرَّافِعِيُّ. السَّابِعَةُ: مَا يَخْرُجُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ مِنْ تَجْوِيزِ الْأَمْرِ الْبَعِيدِ لَيْسَ مِنَ الشُّبَهَاتِ الْمَطْلُوبِ اجْتِنَابُهَا بَلْ وَسْوَاسٌ شَيْطَانِيٌّ، وَسَبَبُ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ نَبَّهَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَيْنِيُّ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْهَا غَسْلُ الثِّيَابِ الْجُدُدِ، وَغَسْلُ الْقَمْحِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّنَطُّعِ الْبَارِدِ. الثَّامِنَةُ: مَعْنَى ("اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ") سَلِمَ دِينُهُ مِمَّا يُفْسِدُهُ أَوْ يَنْقُصُهُ، وَعِرْضُهُ مِمَّا يَشِينُهُ، وَاسْتَبْرَأَ لِنَفْسِهِ طَلَبَ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْإِثْمِ فَبَرَّأَهَا. فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ الشُّبُهَاتِ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا وَانْتَهَكَ حُرْمَتَهَا فَقَدْ أَوْجَدَ السَّبِيلَ عَلَى عِرْضِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَوْ شَهِدَ بِهِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ. التَّاسِعَةُ: مَعْنَى: "يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ" وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَقَعَ فِي الْحَرَامِ" أَيْ: يَقَعُ فِيهِ وَلَا يَدْرِي، أَوْ إِذَا اعْتَادَهَا فَأَدَّتْهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِيهِ مُتَعَمَّدًا فَيَتَجَاسَرُ عَلَيْهِ وَيُوَاقِعُهُ غَالِبًا وَمُتَعَمِّدًا; لِخِفَّةِ الزَّاجِرِ بِهِ عِنْدَهُ، وَلِمَا قَدْ أَلِفَهُ مِنَ الْمُسَاهَلَةِ. الْعَاشِرَةُ: ("يُوشِكُ") -بِكَسْرِ الشِّينِ- أَيْ: يُسْرِعُ وَيَقْرُبُ، وَمَاضِيهِ: أَوْشَكَ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ أَنْكَرَهُ. وَفِي "الصِّحَاحِ": الْكَلِمَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَهِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ فِيمَا مَضَى: ("فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ"). قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِهِ": ضُبِطَ عَلَى وَجْهَيْنِ: بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَبِكَسْرِهَا مَعَ التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ، فَمَعْنَاهُ: مُشَبِّهَاتٌ أَنْفُسَهَا بِالْحَلَالِ أَوْ مُشَبِّهَاتُ الْحَلَالِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ فَمَعْنَاهُ: (مُشَبَّهَاتٌ) بِالْحَلَالِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى". هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنَّ مُلُوكَ الْعَرَبِ كَانَتْ تَحْمِي مَرَاعِيَ لِمَوَاشِيهَا، وَتَتَوَعَّدُ مَنْ يَقْرَبُهَا; (فَيَبْعُدُ) عَنْهَا خَوْفَ ذَلِكَ، (وَيَحْمِي) أَيْضًا مَا يُحِيطُ بِهَا وَيُقَارِبُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى مَلِكُ الْمُلُوكِ وَلَهُ حِمًى، وَهِيَ الْمُحَرَّمَاتُ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا كَالزِّنَا وَغَيْرِهِ فَهِيَ حِمَى اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي مَنَعَ مَنْ فِي خَوَلِهِ وَالتَّعَرُّضَ لَهُ وَلِمُقَدِّمَاتِهِ وَأَسْبَابِهِ، فَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْحِمَايَةَ عَمَّا يَكْرَهُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْمُضْغَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ، سُمِّيَتْ بِهِ; لِأَنَّهَا تُمْضَغُ فِي الْفَمِ لِصِغَرِهَا. وَجَمْعُهَا: مُضَغٌ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ("إِذَا صَلَحَتْ"، "وَإِذَا فَسَدَتْ") هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالسِّينِ، وَيُضَمَّانِ فِي الْمُضَارِعِ، وَيُقَالُ صَلُحَ وَفَسُدَ -بِالضَّمِّ- إِذَا صَارَ الصَّلَاحُ وَالْفَسَادُ هَيْئَةً لَازِمَةً كَظَرُفَ وَشَرُفَ وَالْمَعْنَى: صَارَتْ تِلْكَ الْمُضْغَةُ ذَاتَ صَلَاحٍ وَفَسَادٍ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الْقَلْبُ سُمِّيَ بِذَلِكَ; لِتَقَلُّبِهِ وَسُرْعَةِ الْخَوَاطِرِ فِيهِ وَتَرَدُّدِهَا عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ الْمَصْدَرُ ثُمَّ نُقِلَ إِلَى هَذَا الْعُضْوِ، وَالْتَزَمَتِ الْعَرَبُ التَّفْخِيمَ فِي قَافِهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِيَحْذَرَ اللَّبِيبُ سُرْعَةَ انْقِلَابِ قَلْبِهِ; إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْقَلْبِ إِلَّا التَّفْخِيمُ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [الْعَنْكَبُوتِ: 43]. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ("إِذَا صَلَحَتْ") إِلَى قَوْلِهِ: ("أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ") هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ. فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ السَّعْيُ التَّامُّ فِي إِصْلَاحِ قَلْبِهِ وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ وَحَمْلِهَا عَلَى الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ الْمُحَصِّلَةِ لِطَهَارَةِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِهِ. أَعَانَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اسْتَدَلَّ بِهَذَا ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ، وَأَنَّ مَا فِي الرَّأْسِ فَهُوَ مِنْ سَبَبِ الْعَقْلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ فِي الرَّأْسِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِهِ". الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ قَلْبًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ. وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عُرْفًا.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية