الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 6781 7207 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ . أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا ، قَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ ، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمُ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ . فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ ، وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا ، فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ . قَالَ الْمِسْوَرُ : طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ، فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَقَالَ : أَرَاكَ نَائِمًا ، فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا . فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ ، فَشَاوَرَهُمَا ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ : ادْعُ لِي عَلِيًّا . فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي عُثْمَانَ ، فَدَعَوْتُهُ ، فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ ، فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ -وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ - فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، يَا عَلِيُّ ، إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ ، فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا . فَقَالَ : أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ . فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ . [انْظُرْ : 1392 - فَتْحَ: 13 \ 193 ] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ عُبَادَةَ : قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَفِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ - بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . ثَانِيهَا : حَدِيثُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ . . ، الْحَدِيثُ . ثَالِثُهَا : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ " . رَابِعُهَا : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ : شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ . كَتَبَ : إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ . ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَذَلِكَ . خَامِسُهَا : حَدِيثُ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ . الْحَدِيثُ . سَادِسُهَا : حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي مُبَايَعَتِهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى الْمَوْتِ . سَابِعُهَا : حَدِيثُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَوْفٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ : أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا ، إِلَى آخِرِهِ . وَقَدْ سَلَفَ فِيمَا مَضَى ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : [اخْتَلَفَتْ ] أَلْفَاظُ بَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَرُوِيَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ . وَرُوِيَ : عَلَى الْجِهَادِ ، وَرُوِيَ : عَلَى الْمَوْتِ . وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي بَيْعَتِهِمَا مَا يَجْمَعُ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ : عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ . وَقَوْلُهُ : "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الْبَقَرَةُ : 286 ] . وَأَمَّا قَوْلُهُ : "فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ " فَهَذِهِ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ بَايَعُوا عَلَى أَنْ يُقَاتِلُوا دُونَهُ ، وَيُهْلِكُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ بَيْعَةُ الْحَرْبِ حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي الْقِتَالِ [شُرُوطًا ] سِوَى شَرْطِهِ . حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَةَ الْحَرْبِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَكَانَ عُبَادَةُ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى بَيْعَةَ النِّسَاءِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانُوا فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا -مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - وَامْرَأَتَيْنِ . فَصْلٌ : قَالَ الْمُهَلَّبُ : قَوْلُهُ : "وَلَا نُنَازِعُ الْأَمْرَ أَهْلَهُ " . فِيهِ : أَنَّ الْأَنْصَارَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْخِلَافَةِ شَيْءٌ كَمَا ادَّعَاهُ الْحُبَابُ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَلِذَلِكَ مَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ الشَّارِعُ هَذَا أَيْضًا . فَصْلٌ : وَأَمَّا الرَّهْطُ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَهُمْ : عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَالَ : إِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ فَالشُّورَى فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ [يَوْمَئِذٍ ] لَهُ مَنْزِلَتُهُمْ مِنَ الدِّينِ وَالْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْفَضْلِ وَالْعِلْمِ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ . فَإِنْ قُلْتَ : فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَفْضَلُهُمْ دِينًا ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَفْضُولِ فِيهَا مَعَ الْفَاضِلِ ، فَكَيْفَ جَعَلَهَا فِي قَوْمٍ بَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ؟ فَالْجَوَابُ : إِنَّمَا أَدْخَلَ الَّذِينَ ذَكَرْتُ فِي الشُّورَى لِلْمُشَاوَرَةِ وَالِاجْتِهَادِ لِلنَّظَرِ لِلْأُمَّةِ ؛ إِذْ كَانَ وَاثِقًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَأْلُونَ الْمُسْلِمِينَ نُصْحًا فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْهُمْ لَا يُتْرَكُ وَالتَّقَدُّمُ عَلَى الْفَاضِلِ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي مَنْزِلَةِ غَيْرِهِ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ عَالِمًا بِرِضَا الْأُمَّةِ بِمَنْ رَضِيَ بِهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِذْ كَانَ النَّاسُ لَهُمْ تَبَعًا ، وَكَانُوا لِلنَّاسِ أَئِمَّةً وَقَادَةً لَا أَنَّهُ كَانَ يَرَى لِلْمَفْضُولِ مَعَ الْفَاضِلِ حَقًّا فِي الْإِمَامَةِ . فَصْلٌ : وَفِيهِ أَيْضًا : الدَّلَالَةُ عَلَى بُطْلَانِ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْإِمَامِ مِنْ أَنَّهَا فِي (الْخِيَارِ ) وَأَشْخَاصٍ قَدْ وَقَفَ عَلَيْهَا الشَّارِعُ أُمَّتَهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّشَاوُرِ فِيمَنْ يُقَلِّدُوهُ أَمْرَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ النَّفَرِ السِّتَّةِ ؛ لِيَجْتَهِدُوا فِي أُولَاهُمْ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدُ النَّفَرِ السِّتَّةِ ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَا قَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِعَيْنِهِ وَنَصَّبَهُ لِأُمَّتِهِ كَانَ حَرِيًّا أَنْ يَقُولَ مِنْهُمْ قَائِلٌ : مَا وَجْهُ التَّشَاوُرِ فِي أَمْرٍ قَدْ كَفَيْنَاهُ بِبَيَانِ اللَّهِ لَنَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ؟ وَفِي تَسْلِيمِ جَمِيعِهِمْ لَهُ مَا فَعَلَهُ ، وَرِضَاهُمْ بِذَلِكَ أَبْيَنُ الْبَيَانِ ، وَأَوْضَحُ الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ عَهْدٌ ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ عَهْدِهِ إِلَيْهِمْ كَانَ وَقَفًا عَلَى مَوْصُوفٍ بِصِفَاتٍ يَحْتَاجُ إِلَى إِدْرَاكِهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ ، فَرَضُوا وَسَلَّمُوا مَا فَعَلَ مِنْ رَدِّهِ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّفَرِ إِذْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ . وَفِيهِ : الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمَوْثُوقَ بِأَدْيَانِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ إِذَا عَقَدُوا عَقْدَ الْخِلَافَةِ لِبَعْضِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى تَشَاوُرٍ مِنْهُمْ وَاجْتِهَادٍ ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِلٌّ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ مِمَّنْ [لَمْ ] يَحْضُرْ عَقْدَهُمْ وَتَشَاوُرَهُمْ ، وَكَانُوا الْعَاقِدِينَ قَدْ أَصَابُوا الْحَقَّ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَفْرَدَ النَّظَرَ فِي الْأَمْرِ -النَّفَرَ السِّتَّةَ - وَلَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ فِيمَا فَعَلُوا اعْتِرَاضًا ، وَسَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ جَمِيعَهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ لَكَانَ خَلِيقًا أَنْ يَقُولَ لَهُ مِنْهُمْ قَائِلٌ : إِنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ الَّذِي خُصِّصَتْ بِالْقِيَامِ بِهِ هَؤُلَاءِ السِّتَّةُ لَمْ يَخُصَّهُمْ بِهِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَّةِ بَلِ الْجَمِيعُ شُرَكَاءُ ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ سَلَّمُوا وَانْقَادُوا ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ مِنْهُمْ مُعْتَرِضٌ وَلَا أَنْكَرَهُ مُنْكِرٌ . فَصْلٌ : قَوْلُهُ : (بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) قَالَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ " : الْهُجُوعُ : النَّوْمُ بِاللَّيْلِ خَاصَّةً ، يُقَالُ : هَجَعَ يَهْجَعُ وَقَوْمٌ هُجَّعٌ وَهُجُوعٌ ، وَقَدْ سَلَفَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : (ابْهَارَّ اللَّيْلُ ) فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . فَصْلٌ : عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ، كُنْيَتُهُ : أَبُو الْوَلِيدِ خَزْرَجِيٌّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَدْرِيٌّ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ ، فَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا جَمِيلًا ، مَاتَ عَنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ بِالرَّمْلَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهُوَ مِنَ الْأَفْرَادِ . فَصْلٌ : أَصْلُ الْبَيْعِ : الْمُعَاقَدَةُ ، فَسُمِّيَتْ : مُعَاقَدَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَايَعَةً ؛ لِمَا ضَمِنَ لَهُمْ - فِيهَا مِنَ الثَّوَابِ إِذَا وَفَوْا بِهَا . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : "عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الِامْتِثَالَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : "وَأَنْ لَا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ " ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَعْنَاهُ : إِذَا بُويِعَ لَهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَلَا مُنَازَعَتُهُ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمِ النَّاسَ أَنْ (يَخْرُجُوا عَلَيْهِ ) أَيْضًا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنْ كَانَتْ ( . . . ) لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إِذْ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ ، وَإِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَتْلٍ وَلَا أَخْذِ مَالٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُ ، فَإِنْ عَدَلَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ ، وَإِنْ جَارَ فَعَلَيْهِ الْعُذْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ وَالتَّضَرُّعُ إِلَى (أَهْلِهِ ) فِي كَشْفِ ذَلِكَ عَنْهُمْ . فَصْلٌ : قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : "اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَةِ " هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا . وَقَوْلُهُمْ فِيمَا أَجَابُوهُ : (مَا بَقِينَا أَبَدَا ) فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِمْ . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ " قَالَهُ إِشْفَاقًا وَرَحْمَةً لَهُمْ وَتَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فِي بَيْعَتِهِمْ لِئَلَّا يَدْهَمَهُمْ أَمْرٌ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ ، وَالرَّبُّ -جَلَّ جَلَالُهُ - قَالَ : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الْبَقَرَةُ : 285 ] وَقَدْ سَلَفَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مَا يَقَعُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ . فَصْلٌ : حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّالِفُ هُوَ : ابْنُ عَوْفٍ - كَمَا سَلَفَ - تَابِعِيٌّ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ ، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ التِّينِ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ . وَقَوْلُهُ : (الرَّهْطُ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ ) يُرِيدُ الَّذِينَ جَعَلَ الْوِلَايَةَ فِيهِمْ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْهُمْ وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : (لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ فِيهِ ) . يُرِيدُ الْخِلَافَةَ ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَلِمَ أَنَّ ثُمَّ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِهَا ، أَيْ : بِهَذَا ، فَيُخْرِجُ نَفْسَهُ . وَقَوْلُهُ : (وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمُ اخْتَرْتُ لَكُمْ ) . يُرِيدُ : إِنَّكُمْ إِنْ جَعَلْتُمُ الْأَمْرَ إِلَيَّ اخْتَرْتُ لَكُمْ . وَقَوْلُهُ : (مِنْكُمْ ) . يُرِيدُ مِمَّنْ سَمَّاهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دُونَهُ ، وَتَوْلِيَتُهُمُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ مَنْ قُدِّمَ لِذَلِكَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ لِمِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ ، فَعُلِمَ إِنَّمَا يَنْظُرُ فِي الْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ . وَقَوْلُ الْمِسْوَرِ : (طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) إِلَى قَوْلِهِ : [مَا ] اكْتَحَلْتُ هَذِهِ (اللَّيْلَةَ ) بِكَبِيرِ نَوْمٍ ) هَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ تُكُلِّفَ النَّظَرَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَهْجُرَ فِيهِ نَوْمَهُ وَأَهْلَهُ . وَقَوْلُهُ : (فَادْعُ لِيَ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا ، ثُمَّ دَعَانِي ، فَقَالَ : ادْعُ لِيَ عَلِيًّا ) ، إِلَى قَوْلِهِ : (وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ ) هَكَذَا يَنْبَغِي لِئَلَّا يَتَوَقَّفَ عَنْ حُضُورِ مَوْطِنِ الْجَمْعِ . وَقَوْلُهُ : (ادْعُ لِي عُثْمَانَ ) أَنَّهُ لِيَرَى مَا عِنْدَهُ ، فَدَعَاهُ آخِرَ الثَّلَاثَةِ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : (فَلَمَّا صَلَّى اجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ) يُرِيدُ : الَّذِينَ جَعَلَ عُمَرُ الشُّورَى بَيْنَهُمْ . وَقَوْلُهُ : (وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ) . أَيْ لِيَجْتَمِعَ أَهْلُ الْحِلِّ وَالْعَقْدِ . وَقَوْلُهُ : (أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ ) . إِلَى آخِرِهِ ، كَلَامُهُ لِعَلِيٍّ دُونَ مَنْ سِوَاهُ لَمْ يَكُنْ يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ مَعَ وُجُودِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَسُكُوتُ مَنْ حَضَرَ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُمْ بِعُثْمَانَ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَبَايَعَ عُثْمَانَ ، وَلَمْ يُمْكِنْ عَلِيٌّ إِلَّا الدُّخُولَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية