الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الجامع الصغير للسيوطي 2795 - "أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ؛ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ؛ وَلَا يُسْتَحْلَفُ ؛ وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ؛ وَلَا يُسْتَشْهَدُ؛ أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ؛ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ؛ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ؛ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ؛ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ؛ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ؛ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ؛ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ؛ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ؛ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ"؛ (حم ت ك)؛ عَنْ عُمَرَ ؛ (صح) . فيض القدير (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) ؛ أَيْ: أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي ؛ قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ : "أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي..."؛ إِلَخْ؛ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يَكُونُ الْمُوصَى بِهِ غَيْرَهُمْ؛ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ وُلَاةُ أُمُورِهِمْ؛ فَكَانَتْ هَذِهِ وَصِيَّةً عَلَى الْعُمُومِ؛ (ثُمَّ) ؛ بَعْدَ ذَلِكَ؛ (يَفْشُو الْكَذِبُ) ؛ أَيْ: يَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ نَكِيرٍ ؛ (حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ) ؛ تَبَرُّعًا؛ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ) ؛ أَيْ: لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْحَلِفُ؛ لِجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّهِ؛ (وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ؛ وَلَا يُسْتَشْهَدُ) ؛ أَيْ: لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ؛ يَجْعَلُ ذَلِكَ مَنْصُوبَةً لِشَيْءٍ يَتَوَقَّعُهُ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا؛ قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ : وَقَدْ وَجَدْنَا وُقُوعَ ذَلِكَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي؛ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ؛ ثُمَّ زَادَ فِي الثَّالِثِ؛ ثُمَّ كَثُرَ فِي الرَّابِعِ؛ وَقَوْلُهُ: "يَحْلِفُ"؛ وَ"لَا يُسْتَحْلَفُ"؛ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ الثِّقَةِ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ؛ لِغَلَبَةِ التُّهْمَةِ؛ حَتَّى يُؤَكِّدَ خَبَرَهُ بِالْيَمِينِ؛ وَقَوْلُهُ: "يَشْهَدُ"؛ وَ"لَا يُسْتَشْهَدُ"؛ أَيْ: يُبْدِيهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ زُورًا؛ (أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) ؛ أَيْ: أَجْنَبِيَّةٍ؛ (إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ) ؛ بِالْوَسْوَسَةِ؛ وَتَهْيِيجِ الشَّهْوَةِ؛ وَرَفْعِ الْحَيَاءِ؛ وَتَسْوِيلِ الْمَعْصِيَةِ؛ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِالْجِمَاعِ؛ أَوْ فِيمَا دُونَهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ؛ الَّتِي تُوشِكُ أَنْ تُوقِعَ فِيهِ؛ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ؛ وَاسْتَثْنَى ابْنُ جَرِير كَالثَّوْرِيِّ مَا مِنْهُ بُدٌّ؛ كَخَلْوَتِهِ بِأَمَةِ زَوْجَتِهِ الَّتِي تَخْدِمُهُ؛ حَالَ غَيْبَتِهَا؛ (وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ) ؛ أَيْ: أَرْكَانِ الدِّينِ؛ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ أَيْ: الْزَمُوا هَدْيَهُمْ؛ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ وَأَحْكَامِ الدِّينِ ؛ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِهِمْ؛ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَجْمَعَتْ عَلَى شَيْءٍ؛ لَمْ يَجُزْ خِلَافُهَا؛ (وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ) ؛ أَيْ: احْذَرُوا الِانْفِصَالَ عَنْهَا؛ وَمُفَارَقَتَهُمْ؛ مَا أَمْكَنَ؛ يُقَالُ: "فَرَّقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ"؛ فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا؛ وَ"فَرَّقْتُ بَيْنَ الْحَقِّ؛ وَالْبَاطِلِ"؛ فَصَلْتُ أَيْضًا؛ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ؛ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ؛ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ) ؛ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَتَيْنِ؛ أَيْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَ وَسَطَهَا؛ وَأَخْصَبَهَا؛ وَأَحْسَنَهَا؛ وَأَوْسَعَهَا مَكَانًا؛ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: "بُحْبُوحَةُ الدَّارِ"؛ بِضَمِّ الْبَاءَيْنِ: وَسَطُهَا؛ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : وَمِنَ الْمَجَازِ: "تَبَحْبَحَ فِي الْأَمْرِ"؛ تَوَسَّعَ فِيهِ؛ مِنْ "بُحْبُوحَةِ الدَّارِ"؛ وَهِيَ وَسَطُهَا؛ وَ"تَبَحْبَحَتِ الْعَرَبُ فِي لُغَاتِهَا"؛ اتَّسَعَتْ فِيهَا؛ (فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ) ؛ فَإِنَّ مَنْ شَذَّ؛ انْفَرَدَ بِمَذْهَبِهِ عَنْ مَذَاهِبِ الْأُمَّةِ؛ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ جَمَاعَتِهَا؛ قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذَا؛ وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ الْآمِرَةِ بِالْعُزْلَةِ؛ نَحْوَ "الْزَمْ بَيْتَكَ"؛ وَ"عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ..."؛ إِلَخْ؛ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ فِي الدِّينِ؛ وَالْحُكْمِ؛ إِذْ لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ؛ فَخَرْقُ الْإِجْمَاعِ؛ وَالْحُكْمُ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ؛ وَالشُّذُوذُ عَنْهُمْ؛ ضَلَالٌ؛ وَلَيْسَ مِنْهُ مَنْ يَعْتَزِلُ عَنْهُمْ لِصَلَاحِ دِينِهِ؛ الثَّانِي: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ؛ بِأَلَّا تَنْقَطِعُوا عَنْهُمْ فِي نَحْوِ الْجُمَعِ؛ وَالْجَمَاعَاتِ؛ فَإِنَّ فِيهَا جَمَالَ الْإِسْلَامِ؛ وَقُوَّةَ الدِّينِ؛ وَغَيْظَ الْكُفَّارِ وَالْمُلْحِدِينَ؛ الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ لِلرَّجُلِ الضَّعِيفِ فِي أَمْرِ الدِّينِ؛ (مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ؛ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ؛ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ) ؛ أَيْ: الْكَامِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا عَلَى حَسَنَاتِهِ مُثِيبًا؛ وَسَيِّئَاتِهِ مُجَازِيًا؛ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُخْلِصًا؛ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَفِيهِ تَكْذِيبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي إِخْرَاجِهِمْ أَهْلَ الْكَبَائِرِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ سَمَّى أَهْلَ الْإِسَاءَةِ مُؤْمِنِينَ؛ وَإِبْطَالٌ لِقَوْلِ الْخَوَارِجِ : هُمْ كَافِرُونَ؛ وَإِنْ أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ. (حم ت ك؛ عَنْ عُمَرَ ) ؛ ابْنِ الْخَطَّابِ ؛ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وَقَالَ الْحَاكِمُ : عَلَى شَرْطِهِمَا.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية