الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الجامع الصغير للسيوطي 2568 - (إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيمَا خَلَا مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرِاطٍ قِيرِاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) مَالِكٌ (حم) (خ) (ت) عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (صح) فيض القدير (إِنَّمَا أَجَلُكُمْ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ (فِيمَا) أَيْ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا (خَلَا) قَبْلَكُمْ (مِنَ الْأُمَمِ) السَّابِقَةِ (كَمَا) أَيْ مِثْلِ الزَّمَنِ الَّذِي (بَيْنَ) آخَرِ وَقْتِ (صَلَاةِ الْعَصْرِ) الْمُنْتَهِيَةِ (إِلَى مَغَارِبَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: غُرُوبِ (الشَّمْسِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَعَ فِي زَمَنِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ مُدَّةِ عُمُرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى أَعْمَارٍ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ مِثْلُ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْغُرُوبِ إِلَى بَقِيَّةِ النَّهَارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا خَلَا إِلَخْ فَجَعَلَ فِي بِمَعْنَى إِلَى وَحَذْفَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ وَهُوَ النِّسْبَةُ كَمَا حَذَفَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ إِلَى (وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ) أَيُّهَا الْأُمَّةُ فَالْمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلْأُمَّةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ وَالْمُمَثَّلُ بِهِ قَوْلُهُ (وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ) فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ مَثَلُكُمْ مَعَ نَبِيِّكُمْ وَمَثَلُ أَهْلٍ الْكِتَابَيْنِ مَعَ أَنْبِيَائِهِمُ (اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ) بِالْمَدِّ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ جَمْعُ أَجِيرٍ فَمَا فِي نَسْخِ مَنْ جَعَلَهُ أَجِيرًا بِالْإِفْرَادِ تَحْرِيفٌ (فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ) أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ نِصْفُ دَانِقٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا النَّصِيبُ وَكَرَّرَهُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ لَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ فِي الطَّائِفَةِ قِيرَاطٌ وَعَادَةُ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادَتْ تَقْسِيمَ شَيْءٍ عَلَى مُتَعَدِّدٍ كَرَّرَتْهُ تَقُولُ أُقْسِمَ الْمَالُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ دِرْهَمًا دِرْهَمًا أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا (فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ) فِي رِوَايَةٍ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطَوْا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ قَالَ (مَنْ يَعْمَلُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ) أَيْ أَوَّلِ وَقْتِ دُخُولِهَا أَوْ أَوَّلِ الشُّرُوعِ فِيهَا (عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغَيِبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بِالتَّثْنِيَةِ (فَأَنْتُمْ) أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ (هُمْ) أَيْ فَلَكُمْ قِيرَاطَانِ لِإِيمَانِكُمْ بِمُوسَى وَعِيسَى مَعَ إِيمَانِكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ عَمَلٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ الْمُرَادُ تَشْبِيهُ مَنْ تَقَدَّمَ بِأَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي كَثْرَةِ الْعَمَلِ الشَّاقِّ وَالتَّكْلِيفِ وَتَشْبِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَاللَّيْلِ فِي قِلَّةِ ذَلِكَ وَتَخْفِيفِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ طُولَ الزَّمَنِ وَقِصَرُهُ إِذْ مُدَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَطْوَلُ مِنْ مُدَّةِ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : الْأَحْكَامُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ (فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) أَيِ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ (وَقَالُوا مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً) يَعْنِي قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثَوَابًا كَثِيرًا مَعَ قِلَّةِ أَعْمَالِهِمْ وَأَعْطَيْتِنَا قَلِيلًا مَعَ كَثْرَةِ أَعْمَالِنَا (قَالَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أَيْ نَقَصَتْكُمْ (مِنْ حَقِّكُمْ) ، وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلِ حَقِّكُمْ أَجَرَكُمْ أَيِ الَّذِي اشْتَرَطْتُهُ لَكُمْ (شَيْئًا) وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ شَيْءٍ وَأَطْلَقَ لَفْظَ الْحَقِّ لِقَصْدِ الْمُمَاثِلَةِ وَإِلَّا فَالْكُلُّ مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى (قَالُوا لَا) لَمْ تَنْقُصْنَا مِنْ أَجْرِنَا أَوْ لَمْ تَظْلِمْنَا (قَالَ فَذَلِكَ) أَيْ كُلُّ مَا أَعْطَيْتُهُ مِنَ الثَّوَابِ (فَضْلِي أُوتِيِهِ مَنْ أَشَاءُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ الْمُقَاوَلَةُ تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لَا حَقِيقَةٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى وُقُوعِهَا عِنْدَ إِخْرَاجِ الذُّرِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ كُلُّ نَبِيٍّ مُعْجِزَاتُهُ أَظْهَرُ فَثَوَابُ أُمَّتِهِ أَقَلُّ إِلَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّهَا أَظْهَرُ وَثَوَابُهَا أَكْثَرُ (مَالِكٌ) فِي الْمُوَطَّأِ (حم) (خ) (ت) عن ابْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي الْبَابِ أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية