الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الجامع الصغير للسيوطي 196 - " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا؛ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ؛ ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ؛ (حم ق د ن) ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ (صح). فيض القدير (أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ) ؛ أَيْ: أَكْثَرُهَا ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ (تَعَالَى)؛ (الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا) ؛ اللَّامُ لِاسْتِقْبَالِ الْوَقْتِ؛ أَوْ بِمَعْنَى " فِي" ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ ظَرْفٌ لَهَا عَلَى وِزَانِ: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ أَيْ: فِيهِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " عَلَى وَقْتِهَا" ؛ وَ" عَلَى" ؛ فِيهَا بِمَعْنَى مَا ذُكِرَ؛ أَوْ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ؛ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَائِهِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ: " فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" ؛ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهِيَ ضَعِيفَةٌ؛ قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَكِنْ لَهَا طُرُقٌ أُخْرَى؛ وَأَخَذَ مِنْهُ ابْنُ بَطَّالٍ كَغَيْرِهِ أَنَّ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا أَفْضَلُ؛ لِاشْتِرَاطِهِ فِي كَوْنِهَا أَحَبَّ؛ إِقَامَتَهَا أَوَّلَهُ؛ وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا؛ وَلَا آخِرًا؛ بَلِ الْقَصْدُ التَّحَرُّزُ عَنْ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا؛ مُنِعَ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا مُحَرَّمٌ؛ وَلَفْظُ " أَحَبُّ" ؛ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي النَّدْبِ؛ وَاعْتُرِضَ؛ (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) ؛ أَيْ: الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا؛ وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمَا؛ الَّذِي لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ؛ وَمِنْ بِرِّهِمَا بِرُّ صَدِيقِهِمَا؛ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؛ وَ" الْبِرُّ" : التَّوَسُّعُ فِي الْخَيْرِ؛ مِنْ " الْبَرُّ" ؛ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ؛ وَ" الْوَالِدَيْنِ" ؛ تَثْنِيَةُ " وَالِدٌ" ؛ مِنْ " الْوِلَادَةُ" ؛ لِاسْتِبْقَاءِ مَا يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ بِظُهُورِ صُورَةٍ مِنْهُ بِخَلْقِ صُورَةِ نَوْعِهِ؛ ذَكَرَهُ الْحَرَّانِيُّ ؛ وَالْمُرَادُ بِهِمَا هُنَا مَنْ لَهُ وِلَادَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ وَإِنْ عَلَا؛ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ؛ وَالْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ؛ وَعَقَّبَ الصَّلَاةَ بِالْبِرِّ؛ اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ (تَعَالَى): وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ؛ الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ الْوَصْلِ بَيْنَ الْعَبْدِ؛ وَرَبِّهِ؛ وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَعْظَمُ الْوَصْلِ بَيْنَ الْعَبْدِ؛ وَالْخَلْقِ؛ فَأَوْلَى الْأَعْظَمَ لِلْأَعْظَمِ؛ (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ؛ أَيْ: قِتَالُ الْكُفَّارِ؛ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْجَبَّارِ؛ وَإِظْهَارِ شِعَارِ دِينِهِ؛ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا؛ وَأَخْبَارِ: " إِطْعَامُ الطَّعَامِ خَيْرُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ" ؛ وَ" أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا" ؛ وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ أَنَّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُجِيبُ كُلًّا بِمَا يُوَافِقُهُ؛ وَيُصْلِحُهُ؛ أَوْ بِحَسَبِ الْوَقْتِ؛ أَوِ الْحَالِ؛ وَقَدْ تَعَارَضَتِ النُّصُوصُ فِي تَفْضِيلِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَةِ؛ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ؛ لَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ حَالٌ يَقْتَضِي مُوَاسَاةَ مُضْطَرٍّ؛ فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ؛ وَقِسْ عَلَيْهِ؛ قَالَ فِي الْمَطَامِحِ: وَأَخَّرَ الْجِهَادَ؛ مَعَ أَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا؛ وَعَلَى مُلَازَمَةِ بِرِّهِمَا؛ أَمْرٌ مُتَكَرِّرٌ دَائِمٌ بِدَوَامِ الْأَنْفَاسِ؛ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَمْرِ اللَّهِ (تَعَالَى) فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ؛ أَوْ لِأَنَّ فَضْلَ الْجِهَادِ يَكَادُ يَكُونُ بَدِيهِيًّا؛ إِذْ لَا تَنْتَظِمُ الْعِبَادَاتُ وَالْعَادَاتُ إِلَّا بِهِ؛ فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِمَنْزِلَتِهِ؛ وَعُرِفَ بِدَرَجَتِهِ؛ اهْتَمَّ الشَّارِعُ بِبَيَانِ مَا قَدْ يَخْفَى مِنْ شَأْنِ غَيْرِهِ؛ تَحْقِيقًا لِمَرَاتِبِ الْأَعْمَالِ وَالْعِبَادَاتِ؛ وَتَرْغِيبًا فِي الْجِدِّ فِي الطَّاعَاتِ؛ ثُمَّ مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ (تَعَالَى): تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالثَّوَابِ؛ وَمِنْ غَيْرِهِ: غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ؛ وَثَوَرَانُهُ عِنْدَ هَيَجَانِهِ إِلَى لِقَاءِ مَحْبُوبِهِ؛ أَوِ الْمَيْلُ الدَّائِمُ بِالْقَلْبِ الْهَائِمِ؛ أَوْ إِيثَارُ الْمَحْبُوبِ عَلَى جَمِيعِ الْمَصْحُوبِ؛ أَوْ سُكُونٌ بِلَا اضْطِرَابٍ؛ وَاضْطِرَابٌ بِلَا سُكُونٍ؛ أَوْ ثَبَاتُ الْقَلْبِ عَلَى أَحْكَامِ الْغَرَامِ؛ وَاسْتِلْذَاذِ الْعَذْلِ فِيهِ؛ إِذَا زَادَ. (تَنْبِيهٌ) : إِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي تَعْبِيرِهِ بِـ " الْأَعْمَالِ" ؛ دُونَ " الْأَفْعَالِ" ؟ قُلْنَا: وَجْهُهُ أَنَّ الْفِعْلَ عَامٌّ؛ يُقَالُ لِمَا كَانَ بِإِجَادَةٍ وَغَيْرِهَا؛ وَمَا كَانَ بِعِلْمٍ وَغَيْرِهِ؛ وَبِقَصْدٍ وَغَيْرِهِ؛ وَمِنَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ؛ كَالْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ؛ وَالْعَمَلُ لَا يُقَالُ إِلَّا لِمَا كَانَ بِإِجَادَةٍ؛ وَتَعَلُّمٍ؛ وَبِقَصْدٍ مِنَ الْآدَمِيِّ؛ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّاغِبُ ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَمَلُ مَقْلُوبٌ عَنْ " الْعِلْمُ" ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ وَالْعَمَلَ فِعْلُ الْجَارِحَةِ؛ وَهُوَ يَبْرُزُ عَنْ فِعْلِ الْقَلْبِ؛ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ؛ وَيَنْقَلِبُ مِنْهُ. (حم ق د ن هـ) ؛ كُلُّهُمْ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) ؛ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعَالَى) عَنْهُ - وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية