الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الجامع الصغير للسيوطي 973 - " اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؛ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى؛ وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى؛ وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى؛ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ " ؛ (حم ت هب)؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ (صح). فيض القدير (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) ؛ بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّهْمَاتِ؛ وَتَحَمُّلِ الْمَكَارِهِ عَلَى النَّفْسِ؛ حَتَّى تَصِيرَ مَدْبُوغَةً؛ فَعِنْدَهَا تُطَهَّرُ الْأَخْلَاقُ؛ وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْأَسْمَاءِ فِي صَدْرِ الْعَبْدِ؛ وَيُقَرَّرُ عِلْمُهُ؛ فَيَعِيشُ غَنِيًّا بِاللَّهِ مَا عَاشَ؛ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : لَيْسَ حَقُّ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ مَا تَحْسَبُونَهُ؛ بَلْ أَنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا لَا يَرْضَاهُ مِنْ فِعْلٍ؛ وَقَوْلٍ؛ وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : الْحَيَاءُ أَخَفُّ التَّقْوَى؛ وَلَا يَخَافُ الْعَبْدُ حَتَّى يَسْتَحِيَ؛ وَهَلْ دَخَلَ أَهْلُ التَّقْوَى فِي التَّقْوَى إِلَّا مِنَ الْحَيَاءِ؟! (مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؛ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ) ؛ أَيْ: رَأْسَهُ؛ (وَمَا وَعَى) ؛ مَا جَمَعَهُ مِنَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ؛ وَالْبَاطِنَةِ؛ حَتَّى لَا يَسْتَعْمِلَهَا إِلَّا فِيمَا يَحِلُّ؛ (وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى) ؛ أَيْ: وَمَا جَمَعَهُ بِاتِّصَالِهِ مِنَ الْقَلْبِ وَالْفَرْجِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ؛ فَلَا يَسْتَعْمِلْ مِنْهَا شَيْئًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَاظِرٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إِلَى الْعَبْدِ؛ لَا يُوَارِيهِ شَيْءٌ؛ وَعَبَّرَ فِي الْأَوَّلِ بِـ " وَعَى" ؛ وَفِي الثَّانِي بـ " حَوَى" ؛ لِلتَّفَنُّنِ؛ قَالَ الطَّيِّبِيُّ: جَعَلَ الرَّأْسَ وِعَاءً وَظَرْفًا لِكُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ؛ كَالْفَمِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ؛ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا؛ وَأَمَرَ أَنْ يَصُونَهَا؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: كُفَّ عَنْكَ لِسَانَكَ؛ فَلَا تَنْطِقْ بِهِ إِلَّا خَيْرًا؛ وَلَعَمْرِي إِنَّهُ شِطْرُ الْإِنْسَانِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَلِهَذَا سَيَجِيءُ فِي خَبَرٍ: " مَنْ صَمَتَ؛ نَجَا" ؛ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ اللِّسَانِ؛ لِيَشْمَلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ؛ وَالشُّبُهَاتِ؛ وَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَسُدَّ سَمْعَكَ أَيْضًا عَنِ الْإِصْغَاءِ إِلَى مَا لَا يَعْنِيكَ مِنَ الْأَبَاطِيلِ؛ وَالشَّوَاغِلِ؛ وَاغْضُضْ عَيْنَكَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ؛ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا تَمَتَّعَ بِهِ الْكُفَّارُ؛ كَيْفَ لَا؛ وَهُوَ رَائِدُ الْقَلْبِ؛ الَّذِي هُوَ سُلْطَانُ الْجَسَدِ؛ وَمُضْغَةٌ إِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؟! وَهُنَا نُكْتَةٌ؛ وَهِيَ عَطْفُ " مَا وَعَى" ؛ عَلَى الرَّأْسِ؛ فَحِفْظُ الرَّأْسِ مُجْمَلًا عِبَارَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ فَلَا يَضَعُ رَأْسَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ سَاجِدًا؛ وَلَا يَرْفَعُهُ تَكَبُّرًا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ؛ وَجَعَلَ الْبَطْنَ قُطْبًا يَدُورُ عَلَى سَرِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ مِنَ الْقَلْبِ؛ وَالْفَرْجِ؛ وَالْيَدَيْنِ؛ وَالرِّجْلَيْنِ؛ وَفِي عَطْفِ " وَمَا حَوَى" ؛ عَلَى الْبَطْنِ؛ إِشَارَةٌ إِلَى حِفْظِهِ مِنَ الْحَرَامِ؛ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ أَنْ يُمْلَأَ مِنَ الْمُبَاحِ؛ وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ: (وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى) ؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ عِظَامَهُ تَصِيرُ بَالِيَةً؛ وَأَعْضَاؤُهُ مُتَمَزِّقَةً؛ هَانَ عَلَيْهِ مَا فَاتَهُ مِنَ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ؛ وَأَهَمَّهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ طَلَبَ الْآجِلَةِ؛ وَعَمِلَ عَلَى إِجْلَالِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ؛ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ) ؛ أَيْ: الْفَوْزَ بِنَعِيمِهَا؛ (تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا) ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِحُظُوظِ الْأَرْوَاحِ؛ وَقُرَّةِ عَيْنِ الْإِنْسَانِ؛ وَالدُّنْيَا خُلِقَتْ لِمَرَافِقِ النُّفُوسِ؛ وَهُمَا ضُرَّتَانِ؛ إِذَا أَرْضَيْتَ إِحْدَاهُمَا أَغْضَبْتَ الْأُخْرَى؛ فَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ؛ وَتَشَبَّثَ بِالدُّنْيَا؛ كَانَ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ مَلِكٍ دَعَاهُ لِضِيَافَتِهِ؛ وَعَلَى عَاتِقِهِ جِيفَةٌ؛ وَالْمَلِكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ؛ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ؛ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَمَرُّهُ وَسُلُوكُهُ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ حَيَاؤُهُ مِنْهُ؟ فَكَذَا مُرِيدُ الْآخِرَةِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالدُّنْيَا؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ أَرَادَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟! فَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ؛ فَلْيَرْفُضْ جَمِيعَ مَا سِوَاهُ؛ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ؛ بِحَيْثُ لَا يَرَى إِلَّا إِيَّاهُ؛ (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) ؛ قَالَ الطَّيِّبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ " ذَلِكَ" : جَمِيعُ مَا مَرَّ؛ فَمَنْ أَهْمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الِاسْتِحْيَاءِ؛ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ جِبِلَّةَ الْإِنْسَانِ وَخِلْقَتَهُ؛ مِنْ رَأَسِهِ إِلَى قَدَمِهِ؛ ظَاهِرِهِ؛ وَبَاطِنِهِ؛ مَعْدِنُ الْعَيْبِ؛ وَمَكَانُ الْمَخَازِي؛ وَأَنَّهُ (تَعَالَى) هُوَ الْعَالِمُ بِهَا؛ فَحَقُّ الْحَيَاءِ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ؛ وَيَصُونَهَا عَمَّا يُعَابُ فِيهَا؛ وَأَصْلُ ذَلِكَ وَرَأْسُهُ: تَرْكُ الْمَرْءِ مَا لَا يَعْنِيهِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَشَغَلُهُ بِمَا يُعِينُهُ عَلَيْهِ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ أَوْرَثَهُ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ؛ وَالْحَيَاءُ مَرَاتِبُ؛ أَعْلَاهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ (تَعَالَى) ظَاهِرًا؛ وَبَاطِنًا؛ وَهُوَ مَقَامُ الْمُرَاقَبَةِ؛ الْمُوصِلُ إِلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ؛ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ صَحِيحٍ أَوْ مَرِيضٍ؛ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ؛ وَالْمَرِيضُ أَوْلَى. (حم ت ك هب؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: " اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ" ؛ قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ قَالَ: " لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؛ فَلْيَحْفَظْ..." ؛ إِلَخْ؛ صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ اغْتِرَارًا بِتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ ؛ وَتَقْرِيرِ الذَّهَبِيِّ لَهُ فِي التَّصْحِيحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ بِسَدِيدٍ؛ مَعَ تَعَقُّبِهِ هُوَ وَغَيْرِهِ كَالصَّدْرِ الْمَنَاوِيِّ لَهُ؛ بِأَنَّ فِيهِ أَبَانَ بْنَ إِسْحَاقَ؛ قَالَ الْأَزْدِيُّ: تَرَكُوهُ؛ لَكِنْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُرَّةَ؛ قَالَ فِي الْمِيزَانِ: وَالصَّبَّاحُ وَاهٍ؛ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ؛ وَقَالَ: غَرِيبٌ؛ فَعَرَفَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ؛ عَنِ الصَّبَّاحِ؛ قَالَ - أَعْنِي: الْمُنْذِرِيُّ -: وَأَبَانُ فِيهِ مَقَالٌ؛ وَالصَّبَّاحُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ وَتُكُلِّمَ فِيهِ؛ لِرَفْعِهِ هَذَا الْحَدِيثَ؛ وَقَالُوا: الصَّوَابُ: مَوْقُوفٌ؛ وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية