الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صحيح البخاري 1556 بَابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ عمدة القاري أَيْ: هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ زَمْزَمَ مِنَ الْآثَارِ، قِيلَ: وَلَمْ يَذْكُرْ مَا جَاءَ فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بِشَرْطِهِ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِهِ مُجَرَّدًا. قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ; فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ "فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ" وَهَذَا يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى فَضْلِهَا حَيْثُ اخْتَصَّ غَسْلُ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَائِهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا رَكْضَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَسُقْيَا إِسْمَاعِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي مُعْجَمِ مَا اسْتُعْجِمَ: هِيَ بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ الثَّانِي وَفَتْحِ الزَّايِ الثَّانِيَةِ، قَالَ: وَيُقَالُ بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَفَتْحِ الثَّانِي وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّانِيَةِ، وَيُقَالُ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَتَشْدِيدِهِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّانِيَةِ، وَفِي كِتَابِ الْأَزْهَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: زَمْزَمُ وَزَمَمُ وَزَمْزَامُ، وَتُسَمَّى رَكْضَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَمْزَمَةَ جِبْرِيلَ، وَهَزَمَةَ جِبْرِيلَ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ، وَهَزَمَةَ الْمَلَكِ، وَتُسَمَّى الشُّبَاعَةَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَرَوَاهُ الْخَازَرَنْجِيُّ شُبَاعَةَ. وَقَالَ صَاعِدٌ فِي الْفُصُوصِ: وَمِنْ أَسْمَائِهَا تَكْتُمُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّ بَابِلَ بْنَ سَاسَانَ حَيْثُ سَارَ إِلَى الْيَمَنِ دَفَنَ سُيُوفَ قَلْعَتِهِ وَحُلِيَّ الزَّمَازِمَةِ فِي مَوْضِعِ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَلَمَّا احْتَفَرَهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَصَابَ السُّيُوفَ وَالْحُلِيَّ فِيهِ، سُمِّيَتْ زَمْزَمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: سُمِّيَتْ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهَا زُمَّتْ بِالتُّرَابِ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْمَاءُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَوْ تُرِكَتْ لَسَاحَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى مَلَأَ كُلَّ شَيْءٍ. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: سُمِّيَتْ بِزَمْزَمَةِ الْمَاءِ وَهُوَ حَرَكَتُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَاءٌ زَمْزُومٌ وَزَمْزَامٌ، أَيْ كَثِيرٌ، وَفِي الْمُوعِبِ: مَاءٌ زَمْزَمٌ وَزُمَازِمٌ وَهُوَ الْكَثِيرُ، وَعَنِ ابْنِ هِشَامٍ: الزَّمْزَمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْكَثْرَةُ وَالِاجْتِمَاعُ، وَذَكَرَ الْمَسْعُودِيُّ أَنَّ الْفُرْسَ كَانَتْ تَحُجُّ إِلَيْهَا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَالزَّمْزَمَةُ صَوْتٌ تُخْرِجُهُ الْفُرْسُ مِنْ خَيَاشِيمِهَا. وَمِنْ فَضَائِلِهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: "شَرِبَ أَبُو ذَرٍّ مِنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهَا، وَإِنَّهُ سَمِنَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ" وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: "وَشِفَاءُ سُقْمٍ" وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعًا " مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ " رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ، وَإِرْسَالُهُ أَصَحُّ. وَعَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَى جُوعًا قَطُّ وَلَا عَطَشًا، كَانَ يَغْدُو إِذَا أَصْبَحَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً، فَرُبَّمَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ الطَّعَامَ فَيَقُولُ: لَا أَنَا شَبْعَانُ شَبْعَانُ" ذَكَرَهُ فِي الْمُصَنَّفِ الْكَبِيرِ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ عِنْدَنَا طَعَامٌ قَالَ لَنَا أَبِي: ائْتُوا زَمْزَمَ، فَنَأْتِيهَا فَنَشْرَبَ مِنْهَا فَنَجْتَزِئُ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعًا "وَهِيَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ وَسُقْيًا إِسْمَاعِيلَ" وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَبْطَ بِئْرَ زَمْزَمَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى انْقَطَعَتْ زَمَنَ الطُّوفَانِ، وَمَرَّةً لِإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ لِرَجُلٍ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْ زَمْزَمَ فَاسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: آيَةٌ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ " وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ إِذَا شَرِبَ مِنْهَا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي ذِكْرِ حَجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْحَدِيثَ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية