الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صحيح البخاري 1553 221 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: "مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ" لِأَنَّ السِّقَايَةَ كَانَتْ بِيَدِهِ بَعْدَ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَالْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ -ضِدِّ الْأَبْيَضِ- وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَأَبُو ضَمْرَةَ -بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ- وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَوْلُهُ "لَيَالِيَ مِنًى" هِيَ لَيْلَةُ الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُنَّةٌ، وَالْآخَرُونَ: وَاجِبٌ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ أَنْ يَتْرُكُوا هَذَا الْمَبِيتَ وَيَذْهَبُوا إِلَى مَكَّةَ لِيَسْتَقُوا بِاللَّيْلِ الْمَاءَ مِنْ زَمْزَمَ وَيَجْعَلُوهُ فِي الْحِيَاضِ مُسَبَّلًا لِلْحَاجِّ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالْعَبَّاسِ; بَلْ كُلُّ مَنْ تَوَلَّى السِّقَايَةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَخْتَصُّ الرُّخْصَةُ بِالْعَبَّاسِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِآلِ الْعَبَّاسِ. انْتَهَى. قُلْتُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: تَخْتَصُّ بِبَنِي هَاشِمٍ مِنْ آلِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ الرَّمَلِ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاتَ بِهَا، وَكَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ يُؤَدِّبُ عَلَى تَرْكِهِ، فَلَوْ بَاتَ فِي غَيْرِهِ مُتَعَمِّدًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَبِيتُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي سُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ إِلَّا لِذَوِي السِّقَايَةِ أَوِ الرُّعَاةِ، وَمَنْ تَعَجَّلَ بِالنَّفْرِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جَمِيعِ اللَّيَالِي كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ السَّفَاقِسِيُّ: الْمَبِيتُ بِهَا مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِلَّا فَكَانَ يَجُوزُ لِلْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِ ذَلِكَ دُونَ إِرْخَاصٍ وَهُوَ أَنْ يَبِيتَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِلَيْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاتَ وَرَاءَ الْجَمْرَةِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَبِيتُ بِغَيْرِ مِنًى وَهُوَ مَبِيتٌ مَشْرُوعٌ فِي الْحَجِّ، فَلَزِمَ الدَّمُ بِتَرْكِهِ كَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ بِتْ حَيْثُ شِئْتَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى إِذَا كَانَ فِي ضَيْعَتِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ لَيْلًا بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مِنًى، وَمِنْ حَدِيثِ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنَامَ أَحَدٌ أَيَّامَ مِنًى بِمَكَّةَ، وَمِنْ حَدِيثِ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِمَكَّةَ وَآخِرَهُ بِمِنًى، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِمِنًى وَآخِرَهُ بِمَكَّةَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا زُرْتَ الْبَيْتَ أَنْ لَا تَبِيتَ إِلَّا بِمِنًى. وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: اجْعَلُوا أَيَّامَ مِنًى بِمِنًى. وَعَنْ عُرْوَةَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا بَاتَ دُونَ الْعَقَبَةِ أَهَرَاقَ لِذَلِكَ دَمًا. وَعَنْ عَطَاءٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ أَوْ نَحْوِهِ. وَعَنْ سَالِمٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ صَحِيحَةٌ. وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَمِنَ الْمَعْذُورِينَ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ إِنِ اشْتَغَلَ بِالْمَبِيتِ أَوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ أَوْ لَهُ مَرِيضٌ يَطْلُبُ آبِقًا وَشِبْهُ ذَلِكَ، فَفِي هَؤُلَاءِ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ، وَلَهُمُ النَّفْرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ تَرَكَ الْبَيَاتَ نَاسِيًا كَانَ كَتَرْكِهِ عَامِدًا، وَفِي التَّوْضِيحِ: لَا يَحْصُلُ الْمَبِيتُ إِلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاتَ عَنْهَا كُلَّ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ كَانَ لَهُ مُنَاخٌ بِمَكَّةَ يَخْشَى عَلَيْهِ ضَيَاعَهُ بَاتَ بِهَا، وَمُقْتَضَاهُ إِبَاحَتُهُ لِلْعُذْرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي مَبْسُوطِهِ: مَنْ زَارَ الْبَيْتَ فَمَرِضَ وَبَاتَ بِمَكَّةَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَسُوقُهُ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ، وَإِنْ بَاتَ اللَّيَالِيَ كُلَّهَا بِمَكَّةَ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فَقِيلَ عَلَيْهِ شَاةٌ، وَقِيلَ بَدَنَةٌ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية