الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صحيح البخاري 1445 وَقَالَ أَبَانٌ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: (عَلَى قَتَبٍ) لِأَنَّ الْقَتَبَ هُوَ الرَّحْلُ الصَّغِيرُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَبَانٌ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالنُّونِ مُنْصَرِفًا وَغَيْرَ مُنْصَرِفٍ، ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ. وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الزَّاهِدُ الْبَصْرِيُّ التَّابِعِيُّ النَّاجِيُّ، بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَيَاءِ النِّسْبَةِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَهَذَا تَعْلِيقٌ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْمُسْتَخْرَجِ) وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَجَلِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ الْعَطَّارَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، فَذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَوْلُهُ: (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَكَانَ شَقِيقَ عَائِشَةَ، وَأُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرٍ، وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْعُزَّى، وَقِيلَ: عَبْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ، اتَّفَقَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، مَاتَ بِالْحَبَشِيِّ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ، فَحُمِلَ وَدُفِنَ فِي مَكَّةَ فِي إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. قَوْلُهُ: (فَأَعْمَرَهَا) أَيْ: حَمَلَهَا عَلَى الْعُمْرَةِ. قَوْلُهُ: (مِنَ التَّنْعِيمِ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، مَوْضِعٍ عِنْدَ طَرَفِ حَرَمِ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (عَلَى قَتَبٍ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، وَفِي آخِرِهِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ رَحْلٌ صَغِيرٌ عَلَى قَدْرِ السَّنَامِ، وَالْجَمْعُ أَقْتَابٌ، وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ عِنْدَ الْخَلِيلِ. وَفِي (الْمُحْكَمِ) الْقَتَبُ وَالْقَتِبُ إِكَافُ الْبَعِيرِ، وَفِي (الْمُخَصَّصِ). وَقِيلَ: الْقَتَبُ لِبَعِيرِ الْحَمْلِ، وَالْقَتِبُ بِالْكَسْرِ لِبَعِيرِ السَّانِيَةِ. (ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ): احْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ -مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ- عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعُمْرَةِ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ هُوَ التَّنْعِيمُ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَمَالُكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَآخَرُونَ: وَقْتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ الْحِلُّ، وَهُوَ خَارِجُ الْحَرَمِ، فَمِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمُوا بِهَا جَازَ، سَوَاءٌ ذَلِكَ التَّنْعِيمُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْحِلِّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَ إِلَى التَّنْعِيمِ; لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْمَحَلِّ مِنْهَا ; لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْحِلِّ لَيْسَ هُوَ فِي ذَلِكَ كَهُوَ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ التَّوْقِيتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ فِي الْعُمْرَةِ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَإِذَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَرَفَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا ذَاكِ؟ قُلْتُ: حِضْتُ، قَالَ، فَلَا تَبْكِي، اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ أَتَيْنَا مِنًى، ثُمَّ غَدَوْنَا إِلَى عَرَفَةَ، ثُمَّ رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ تِلْكَ الْأَيَّامَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفَرِ، فَنَزَلَ الْحَصْبَةَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَهَا إِلَّا مِنْ أَجْلِي، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: احْمِلْ أُخْتَكَ، فَأَخْرِجْهَا مِنَ الْحَرَمِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا ذَكَرَ الْجِعْرَانَةَ وَلَا التَّنْعِيمَ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ أَدْنَاهَا مِنَ الْحَرَمِ التَّنْعِيمُ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَسَعَيْنَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْنَا فَارْتَحَلَ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُعْمِرَهَا إِلَّا إِلَى الْحِلِّ لَا إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ خَاصًّا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ التَّنْعِيمَ; لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْحِلِّ إِلَيْهِمْ، لَا لِمَعْنًى فِيهِ يَبِينُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْحِلِّ غَيْرَهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ نُزُولِ أَهْلِ مَكَّةَ لِعُمْرَتِهِمُ الْحِلُّ، وَأَنَّ التَّنْعِيمَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية