الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صحيح البخاري 6190 142 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ ، قُلْتُ : وَمَا الثَّعَارِيرُ ؟ قَالَ : الضَّغَابِيسُ ، وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ ، فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَبَا مُحَمَّدٍ : سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ ... قَالَ : نَعَمْ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا الْآنَ ، بِاعْتِبَارِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ . وَأَبُو النُّعْمَانِ : مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، وَحَمَّادٌ : هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَعَمْرٌو : هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، وَجَابِرٌ : هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ . قَوْلُهُ : " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ " كَذَا هُوَ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ السَّرْخَسِيِّ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ " يَخْرُجُ قَوْمٌ " وَلَفْظُ مُسْلِمٍ " إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ " . قَوْلُهُ : " كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ " بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ ثُعْرُورٍ ، عَلَى وَزْنِ عُصْفُورٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : هُوَ قِثَّاءٌ صِغَارٌ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَيُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَبَ فِي قَوْلِ الرَّاوِي " وَكَانَ عَمْرٌو ذَهَبَ فَمُهُ " أَرَادَ أَنَّهُ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ فَيَنْطِقُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهِيَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقِيلَ : الثُّعْرُورُ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ الثُّمَامِ ، كَالْقُطْنِ يَنْبُتُ فِي الرَّمْلِ يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ وَلَا يَطُولُ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ الْقِثَّاءُ الصَّغِيرُ ، وَنَبَاتٌ كَالْهِلْيُونِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْأَقِطُ الرَّطْبُ ، وَأَغْرَبَ الْقَابِسِيُّ فَقَالَ : هُوَ الصَّدَفُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ فِيهِ الْجَوْهَرُ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ " وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَوْلُهُ : " قُلْتُ : وَمَا الثَّعَارِيرُ " الْقَائِلُ هُوَ حَمَّادٌ وَفِي ، رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " مَا الثَّعَارِيرُ " بِدُونِ الْوَاوِ فِي أَوَّلِهِ ، قَوْلُهُ " قَالَ الضَّغَابِيسُ " ، أَيْ : قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الثَّعَارِيرُ الضَّغَابِيسُ جَمْعُ ضُغْبُوسٍ بِضَمِّ الضَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي آخِرِهِ سِينٌ مُهْمَلَةٌ ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هُوَ نَبْتٌ فِي أُصُولِ الثُّمَامِ يُشْبِهُ الْهِلْيُونَ ، يُسْلَقُ ثُمَّ يُؤْكَلُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلِّ ، وَقِيلَ : يَنْبُتُ فِي أُصُولِ الشَّجَرِ وَالْإِذْخِرِ ، يَخْرُجُ قَدْرَ شِبْرٍ ، فِي دِقَّةِ الْأَصَابِعِ ، لَا وَرَقَ لَهُ ، وَفِيهِ حُمُوضَةٌ . وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْحَرْبِيِّ : الضُّغْبُوسُ شَجَرَةٌ عَلَى طُولِ الْأُصْبُعِ ، وَيُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ . قُلْتُ : الْغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ بَيَانُ حَالِهِمْ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ . وَفِي الْغَرِيبَيْنِ وَفِي حَدِيثِ " وَلَا بَأْسَ بِاجْتِنَاءِ الضَّغَابِيسِ فِي الْحَرَمِ " . قَوْلُهُ : " وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ " الْقَائِلُ هُوَ حَمَّادٌ ، أَرَادَ بِسُقُوطِ فَمِهِ ذَهَابَ أَسْنَانِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ ، وَيُرْوَى " وَكَانَ ذَهَبَ فَمُهُ " ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَثْرَمَ ، بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ إِذِ الثَّرْمُ سُقُوطُ الْأَسْنَانِ وَانْكِسَارُهَا . قَوْلُهُ : " قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ " الْقَائِلُ هُوَ حَمَّادٌ . قَوْلُهُ : " أَبَا مُحَمَّدٍ " ، أَيْ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ كُنْيَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : " سَمِعْتَ ؟ " أَيْ : أَسَمِعْتَ ؟ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ وَإِبْطَالُ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي نَفْيِ الشَّفَاعَةِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ الشَّفَاعَةَ فِي إِخْرَاجِ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ ، وَجَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مُتَوَاتِرَةً ، وَدَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّفَاعَةُ ، وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ " الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ " هُوَ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرِيحَهُمْ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ ، وَرَوَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الشَّفَاعَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، كَذَلِكَ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا : قَالَ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ " مَقَامًا مَحْمُودًا " : يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ . وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ ، وَنَقَلَ النَّقَّاشُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ مُتَّهَمٌ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الثَّعْلَبِيِّ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ ، " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ " .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية