الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صحيح البخاري 529 31 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً؛ يَعْنِي: الْبَدْرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)؛ أَيْ: قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالصَّلَاةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلَوْ قَالَ: بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ - صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ كِلْتَاهُمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ؛ أَيْ: عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الصُّبْحَ، (قُلْتُ): هَذَا التَّقْدِيرُ فِيهِ تَعَسُّفٌ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ مُشْتَرِكَةٌ فِي الْفَضْلِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ لِصَلَاتَيِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْعَصْرَ بِالذِّكْرِ لِلِاكْتِفَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ: وَالْبَرْدَ أَيْضًا. وَقِيلَ: إِنَّمَا خَصَّ الْعَصْرَ؛ لِأَنَّ فِي وَقْتِهِ تَرْتَفِعُ الْأَعْمَالُ وَتَشْهَدُ فِيهِ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ؛ وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمُ... الْحَدِيثَ، (قُلْتُ): وَفِي الْفَجْرِ أَيْضًا تَشْهَدُ فِيهِ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَالْأَوْجَهُ فِي الْجَوَابِ مَا ذَكَرْتُهُ الْآنَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَصْرَ ذَاتَ فَضِيلَةٍ لَا ذَاتَ أَفْضَلِيَّةٍ، (قُلْتُ): كُلُّ الصَّلَوَاتِ ذَوَاتُ فَضِيلَةٍ، وَالتَّرْجَمَةُ أَيْضًا تُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ. (ذِكْرُ رِجَالِهِ) وَهُمْ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ الْحُمَيْدِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى جَدِّهِ حُمَيْدٍ الْقُرَشِيِّ الْمَكِّيِّ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمَائَتَيْنِ. الثَّانِي مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْفَزَارِيُّ مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ فَجْأَةً. الثَّالِثُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. الرَّابِعُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. الْخَامِسُ جُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْبَجْلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ) فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَفِيهِ الْقَوْلُ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَيْسٍ وَسَمَاعِ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُمَيْدِيِّ بِنِسْبَتِهِ إِلَى أَحَدِ أَجْدَادِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ مَا بَيْنَ مَكِّيٍّ وَكُوفِيٍّ، وَفِيهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّ وَهُمَا إِسْمَاعِيلُ وَقَيْسٌ، وَفِيهِ أَنَّ أَحَدَ الرُّوَاةِ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ، وَهُوَ قَيْسٌ فَإِنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَمَا قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (ذِكْرُ تَعَدُّدِ مَوْضِعِهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، وَفِي التَّوْحِيدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، عَنْ خَالِدٍ وَهُشَيْمٍ، وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَاصِمٍ، وَعَنْ عَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مَرْوَانَ بِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي أُسَامَةَ وَوَكِيعٍ، ثَلَاثَتُهُمْ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ وَوَكِيعٍ وَأَبِي أُسَامَةَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ وَوَكِيعٍ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ خَالِدٍ وَيَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ وَوَكِيعٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهِ. (ذِكْرُ مَعْنَاهُ) قَوْلُهُ: (لَيْلَةَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَنَازُعِ الْفِعْلَيْنِ عَلَيْهِ، (قُلْتُ): الظَّاهِرُ أَنَّ لَيْلَةَ، نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ: نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ كَانَتْ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (لَا تُضَامُونُ) رُوِيَ بِضَمِّ التَّاءِ وَبِتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الضَّيْمِ، وَهُوَ التَّعَبُ، وَبِتَشْدِيدِهَا مِنَ الضَّمِّ وَبِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَفْتُوحَةَ التَّاءِ مُشَدَّدَةَ الْمِيمِ، وَأَصْلُهُ: تَتَضَامُّونَ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ؛ أَيْ: لَا يُضَامُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا تَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَسْهُلُ دَرْكُهُ، فَيَتَزَاحَمُونَ عِنْدَهُ يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَادِعٌ مَكَانَهُ لَا يُنَازِعُهُ فِي رُؤْيَتِهِ أَحَدٌ، وَالْآخَرُ لَا تُضَامُونَ مِنَ الضَّيْمِ؛ أَيْ: لَا يَضِيمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَتِهِ. وَقَالَ التَّيْمِيُّ: لَا تُضَامُّونَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، مُرَادُهُ: أَنَّكُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ إِلَى بَعْضٍ فِيهِ حَتَّى تَجْتَمِعُوا لِلنَّظَرِ، وَيَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَقُولُ وَاحِدٌ: هُوَ ذَاكَ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: لَيْسَ ذَاكَ، كَمَا تَفْعَلُهُ النَّاسُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الْهِلَالِ أَوَّلَ الشَّهْرِ، وَبِتَخْفِيفِهَا، مَعْنَاهُ: لَا يَضِيمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِأَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ، أَوْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ دُونَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَيْ لَا يَقَعُ لَكُمْ فِي الرُّؤْيَةِ ضَيْمٌ، وَهُوَ الذُّلُّ، وَأَصْلُهُ: تَضِيمُونَ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ عَلَى الضَّادِ، فَصَارَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِانْفِتَاحٍ مَا قَبْلَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا تُضَامُونَ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَنَالُكُمْ ضَيْمٌ، وَالضَّيْمُ أَصْلُهُ: الظُّلْمُ، وَهَذَا الضَّيْمُ يَلْحَقُ الرَّائِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ مُزَاحَمَةِ النَّاظِرِينَ لَهُ؛ أَيْ: لَا تَزْدَحِمُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَيَرَاهُ بَعْضُكُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَالثَّانِي: مِنْ تَأَخُّرِهِ عَنْ مَقَامِ النَّاظِرِ الْمُحَقِّقِ، فَكَأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ ضَامُّوهُ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَوِي فِيهَا الْكُلُّ، فَلَا ضَيْمَ وَلَا ضَرَرَ وَلَا مَشَقَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تُضَامُونَ، أَوْ لَا تُضَاهُونَ؛ يَعْنِي: عَلَى الشَّكِّ؛ أَيْ: لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْكُمْ وَتَرْتَابُونَ، فَيُعَارِضُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَتِهِ. وَقِيلَ: لَا تُشَبِّهُونَهُ فِي رُؤْيَتِهِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَرْئِيَّاتِ، وَرُوِيَ: تَضَارُّونَ، بِالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالتَّاءِ مَفْتُوحَةً وَمَضْمُومَةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُمَا: لَا تَتَضَارُّونَ؛ أَيْ: لَا يُضَارُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَتِهِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَعَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ: هُوَ تَتَفَاعَلُونَ مِنَ الضِّرَارِ؛ أَيْ: لَا تَتَنَازَعُونَ وَتَخْتَلِفُونَ، وَرُوِيَ أَيْضًا: لَا تُضَارُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ؛ أَيْ: لَا يَقَعُ لِلْمَرْءِ فِي رُؤْيَتِهِ ضَيْرٌ مَا بِالْمُخَالَفَةِ أَوِ الْمُنَازَعَةِ، أَوِ الْخَفَاءِ، وَرُوِيَ: تُمَارُونَ بَرَاءٍ مُخَفَّفَةٍ؛ يَعْنِي: تُجَادِلُونَ؛ أَيْ: لَا يَدْخُلُكُمْ شَكٌّ. قَوْلُهُ: (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا) بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ، وَكَلِمَةُ أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ لَا تُغْلَبُوا؛ أَيْ: مِنَ الْغَلَبَةِ بِالنَّوْمِ وَالِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَانِعَةِ عَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. قَوْلُهُ: (فَافْعَلُوا)؛ أَيِ: الصَّلَاةَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)؛ يَعْنِي: الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُرَادُ بِلَفْظِ افْعَلُوا؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ افْعَلُوا الِاسْتِطَاعَةَ أَوِ افْعَلُوا عَدَمَ الْمَغْلُوبِيَّةِ؟ قُلْتُ: عَدَمُ الْمَغْلُوبِيَّةِ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمُ الْإِتْيَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَأْتُوا بِالصَّلَاةِ فَاعِلِينَ لَهَا، انْتَهَى. قُلْتُ: لَوْ قُدِّرَ مَفْعُولُ افْعَلُوا مِثْلَ مَا قَدَّرْنَا لَكَانَ اسْتَغْنَى عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَأَ) لَمْ يُبَيَّنْ فَاعِلُ قَرَأَ مَنْ هُوَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قُلْتُ): هَذَا تَخْمِينٌ وَحُسْبَانٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ: لَمْ يُبَيِّنْ أَحَدٌ فِي رِوَايَتِهِ مَنْ قَرَأَ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ أَنَّ جَرِيرًا قَرَأَهُ، (قُلْتُ): وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ؛ أَيِ: الصَّحَابِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي (صَحِيحِهِ) مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَالْعَجَبُ مِنَ الشَّيْخِ قُطْبِ الدِّينِ كَيْفَ ذَهَلَ عَنْ عُرْوَةَ إِلَى مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ: (فَسَبِّحِ)، التِّلَاوَةُ: (وَسَبِّحْ) بِالْوَاوِ لَا بِالْفَاءِ، الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلَاةُ. قَوْلُهُ: (افْعَلُوا)؛ أَيِ: افْعَلُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَفُوتَنَّكُمْ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ بِنُونِ التَّأْكِيدِ، وَهُوَ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ إِسْمَاعِيلَ، وَكَذَلِكَ ثُمَّ قَرَأَ مُدْرَجٌ. ذِكْرُ الرِّوَايَاتِ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ؛ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَّا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، وَفِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا، وَفِي التَّفْسِيرِ: فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَعَنِ اللَّكَائِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ : إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ وَتَرَوْنَهُ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ: فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، كَمَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْقَمَرِ. وَقَالَ وَكِيعٌ : سَتُعَايِنُونَ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ: هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِيهِ سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، وَعَنْ أَبِي مُوسَى عِنْدَهُ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، (قُلْتُ): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ مُنْجَلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَا آيَةٌ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُنْجَلِيًا بِهِ، قَالَ: فَاللَّهُ أَعْظَمَ وَأَجَلُّ، وَذَلِكَ آيَةٌ فِي خَلْقِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ جَابِرٍ: بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ؛ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. وَعَنْ صُهَيْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وَفِي سُنَنٍ اللَّكَائِيِّ، عَنْ أَنَسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الزِّيَادَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ. (ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ) وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبِالْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ رَوَى أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: رَوَى رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقِيَامَةِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَبُرَيْدَةُ بْنُ حُصَيْبٍ وَجُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَفُضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَرَجُلٌ لَهُ صُحْبَةٌ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ بِأَسَانِيدَ غَالِبُهَا جَيِّدٌ، وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي (كِتَابِ تَثْبِيتِ النَّظَرِ) أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَعِمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ وَأَبَا رَزِينٍ الْعُقَيْلِيَّ وَأَبَا بَرْزَةَ، وَزَادَ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ فِي (كِتَابِ السُّنَّةِ الْوَاضِحَةِ) تَأْلِيفَهُمَا عُدَيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَالرُّؤْيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ. وَقِيلَ: يَرَاهُ مُنَافِقُو هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَالْكُفَّارِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَقَالُوا: يُلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِدْرَاكِ بِالْبَصَرِ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ تَرَانِي وَلَنْ لِلتَّأْبِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرَاهُ، فَإِذَا ثَبَتَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ فِي وَقْتِ الْكَلَامِ ثَبَتَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَلَامِ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ الرَّابِعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا ذُكِرَ فِي طَلَبِ الرُّؤْيَةِ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَقَدِ اسْتَعْظَمَهُ وَذَمَّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي آيَاتٍ مِنْهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ الْخَامِسُ: لَوْ صَحَّتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَرَأَيْنَاهُ الْآنَ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ وَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. وَلِأَهْلِ السُّنَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَكُونُونَ مَحْجُوبِينَ، وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِدْرَاكِ الْإِحَاطَةُ، وَنَحْنُ أَيْضًا نَقُولُ بِهِ، وَعَنْ قَوْلِهِ: لَنْ تَرَانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَنْ تَدُلَّ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا مَعَ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَعَنْ قَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ الْآيَةِ، أَنَّ الْوَحْيَ كَلَامٌ يُسْمَعُ بِالسُّرْعَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ مَحْجُوبًا عَنْ نَظَرِ السَّامِعِ أَوْ غَيْرُ مَحْجُوبٍ عَنْ نَظَرِهِ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى الْآيَةِ، أَنَّ الِاسْتِعْظَامَ لِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ؛ بِدَلِيلِ الِاسْتِعْظَامِ فِي نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ وَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازٍ ذَلِكَ، وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ صَحَّتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَخْ أَنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ، فَإِنْ قَالُوا الرُّؤْيَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِثَمَانِيَةِ أَشْيَاءٍ: سَلَامَةِ الْحَاسَّةِ وَكَوْنِ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَكُونُ جَائِزَ الرُّؤْيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَرْئِيُّ مُقَابِلًا لِلرَّائِي أَوْ فِي حُكْمِ الْمُقَابِلِ، فَالْأَوَّلُ كَالْجِسْمِ الْمُحَاذِي لِلرَّائِي، وَالثَّانِي كَالْأَعْرَاضِ الْمَرْئِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُقَابِلَةً لِلرَّائِي؛ إِذِ الْعَرَضُ لَا يَكُونُ مُقَابِلًا لِلْجِسْمِ، وَلَكِنَّهَا حَالَّةٌ فِي الْجِسْمِ الْمُقَابِلِ لِلرَّائِي، فَكَانَ فِي حُكْمِ الْمُقَابِلِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَرْئِيُّ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ وَلَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ وَلَا فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ حِجَابٌ، قُلْنَا: الشَّرَائِطُ السِّتَّةُ الْأَخِيرَةُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا إِلَّا فِي رُؤْيَةِ الْأَجْسَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الشَّرَائِطِ فِي رُؤْيَتِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حُصُولِ الرُّؤْيَةِ إِلَّا أَمْرَانِ: سَلَامَةُ الْحَاسَّةِ وَكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُرَى، وَهَذَانَ الشَّرْطَانِ حَاصِلَانِ، فَإِنْ قُلْتَ: الْكَافُ فِي كَمَا تَرَوْنَ لِلتَّشْبِيهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ، (قُلْتُ): مَعْنَى التَّشْبِيهِ فِيهِ أَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً لَا شَكَّ فِيهَا، وَلَا مَشَقَّةَ وَلَا خَفَاءَ، كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ كَذَلِكَ فَهُوَ تَشْبِيهٌ لِلرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ لَا الْمَرْئِيِّ بِالْمَرْئِيِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي فِيهِ زِيَادَةُ شَرَفِ الصَّلَاتَيْنِ، وَذَلِكَ لِتَعَاقُبِ الْمَلَائِكَةِ فِي وَقْتَيْهِمَا، وَلِأَنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقْتُ لَذَّةِ النَّوْمِ، كَمَا قِيلَ: أَلَذُّ الْكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيبُ وَالْقِيَامُ فِيهِ أَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْقِيَامِ فِي غَيْرِهِ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَقْتَ الْفَرَاغِ عَنِ الصِّنَاعَاتِ وَإِتْمَامِ الْوَظَائِفِ، وَالْمُسْلِمُ إِذَا حَافَظَ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّثَاقُلِ وَالتَّشَاغُلِ، فَلَأَنْ يُحَافِظَ عَلَى غَيْرِهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّ قَوْلَهُ افْعَلُوا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ يُرْجَى نَيْلُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية