الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
صحيح البخاري الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ : 622 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ : أَبَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : عُبَيْدُ اللَّهِ ثَنَا ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ - وَعَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 597 623 - وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى : ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ) . فتح الباري لابن رجب وَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ( الصِّيَامِ ) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، بِالْإِسْنَادَيْنِ - أَيْضًا - وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ : ( فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ) . قَالَ الْقَاسِمُ : وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ : ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلٌ أَعْمَى ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ ) . قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ بِلَالٌ يُبْصِرُ الْفَجْرَ . قَالَ هِشَامٌ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : غَلِطَ ابْنُ عُمَرَ . خَرَّجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَصَحُّ . وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي ( صَحِيحَيْهِمَا ) . وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ بِلَالٌ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَرَى الْفَجْرَ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا اللَّفْظِ - أَيْضًا - مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . خَرَّجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَقَالَ : فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنِّي لَا أَقِفُ عَلَى سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْخَبَرِ مِنَ الْأَسْوَدِ . وَقَدْ حَمَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا هَذَا - عَلَى تَقْدِيرِ [ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا - عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ نَوْبًا بَيْنَ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ ] بِلَالٌ تَارَةً ، وَيَتَأَخَّرُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَتَارَةً بِالْعَكْسِ . وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، وَأَنَّهُ مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ . وَنَظِيرُ هَذَا : مَا رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمَّتِهِ أُنَيْسَةِ بِنْتِ خُبَيْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ) . وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا . كَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ شُعْبَةَ . وَرَوَاهُ غَيْرُهُمَا ، عَنْ شُعْبَةَ بِالْعَكْسِ ، وَقَالُوا : ( إِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ ) . وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ شُعْبَةَ بِالشَّكِّ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( إِنَّ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ ) . خَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَالْوَاقِدِيُّ ، لَا يُعْتَمَدُ [ عَلَيْهِ ] . وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَمَا رَوَاهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو عُثْمَانَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ . وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْأَذَانِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، يَنْقُلُونَهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ فِي ( الْمُوَطَّأِ ) : لَمْ يَزَلِ الصُّبْحُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ . وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ، أَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَهُمْ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ : هُوَ السُّنَّةُ - يَعْنِي : الْأَذَانَ بِلَيْلٍ . وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ : هُوَ سُنَّةٌ . وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ . قَالَ الْقَاضِي فِي ( جَامِعِهِ الْكَبِيرِ ) وَالْآمِدِيُّ : وَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَوْزَجَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِيقَاظِ النُّوَّامِ لِلتَّأَهُّبِ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ سُنَّةً ، كَمَا : أَنْ كَانَ التَّثْوِيبُ فِي هَذَا الْأَذَانِ سُنَّةً - أَيْضًا - ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ رُخْصَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ . فَالْأَفْضَلُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ : الْأَذَانُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ . وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ : بِأَنَّ الْفَجْرَ يُؤَذَّنُ لَهَا بِلَيْلٍ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ الْأَذَانُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ : فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَذَانُ لَهَا فِي نِصْفِ اللَّيْلِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ ، فَإِنْ قُلْنَا : ثُلُثُ اللَّيْلِ ، أُذِّنَ لِلْفَجْرِ بَعْدَ الثُّلُثِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُؤَذَّنُ لِلْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعٍ وَنِصْفٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سَبْعٍ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، عَنْ سَعْدٍ الْقَرِظِ ، قَالَ : أَذَّنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبَاءَ ، وَفِي زَمَنِ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ ، فَكَانَ أَذَانُنَا فِي الصُّبْحِ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعٍ وَنِصْفٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَفِي الصَّيْفِ [ لِسَبْعٍ ] يَبْقَى مِنْهُ . وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ : يُؤَذَّنُ لَهَا قُبَيْلَ طُلُوعٍ فِي السَّحَرِ . وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَأَمَّا أَصْحَابُنَا ، فَقَالُوا : يُؤَذَّنُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ . وَلَوْ قِيلَ : إِنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمُتَقَدِّمِ لَتَوَجَّهَ . وَقَدْ مَرَّ بِي أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إِلَى ذَلِكَ ، أَوْ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَلَمْ أَتَحَقَّقْهُ إِلَى الْآنِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : إِنَّ بَعْدَ النِّدَاءِ بِالصُّبْحِ لَحِزْبًا حَسَنًا ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ . وَهَذَا - أَيْضًا - يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ الْأَذَانِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ . وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ ، فَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤَذَّنُ لَهَا [ إِلَّا فِي السَّحَرِ . فَقِيلَ لَهُ : وَمَا السَّحَرُ ؟ قَالَ : السُّدْسُ الْآخِرُ . قَالَ : وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُؤَذَّنُ لَهَا ] مِنْ بَعْدِ خُرُوجِ وَقْتِ الْعِشَاءِ ، وَذَلِكَ نِصْفُ اللَّيْلِ . وَمَعَ جَوَازِ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَيُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ الْأَذَانِ لَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً . قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - : الْأَذَانُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْأَذَانُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، هُوَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ ، وَالْأَذَانُ الثَّانِي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْأَذَانَ لِلْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً ؛ لِمَا فِيهِ مَنْعُ النَّاسِ مِنَ السُّحُورِ فِي وَقْتٍ يُبَاحُ فِيهِ الْأَكْلُ . وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِحَدِيثِ شَدَّادٍ مَوْلَى عِيَاضٍ ، عَنْ بِلَالٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، فِي نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ؛ فَإِنَّ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ : أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَسَحَّرُ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَكَى رِوَايَةً أُخْرَى : أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : وَكَرَاهَتُهُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْأَذَانِ ؛ فَإِنْ أُذِّنَ مَعَهُ أَذَانٌ ثَانٍ بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يُكْرَهْ . وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : لَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ ، إِلَّا أَنْ يُعَادَ الْأَذَانُ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ . وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ الَّتِي ذَكَرْنَا آنِفًا . وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَأُنَيْسَةَ ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَانَانِ : أَحَدُهُمَا بِلَيْلٍ ، وَالْآخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الْعِرَاقِيُّونَ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا بِإِعَادَةِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، بِأَنَّ الْأَذَانَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ لَمَّا أَذَّنَ بِلَالٌ بِلَيْلٍ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعَادَةِ أَذَانِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَذَانِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ مَصْلَحَةً ، فَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ [ وَاتَّخَذَ ] مُؤَذِّنًا آخَرَ يُؤَذِّنُ بَعْدَ الْفَجْرِ ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصَالِحِ كُلِّهَا : إِيقَاظُ النُّوَّامِ ، وَكَفُّ الْقُوَّامِ ، وَالْمُبَادَرَةُ بِالسُّحُورِ لِلصُّوَّامِ ، وَبَيْنَ الْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ بَعْدَ دُخُولِهِ . وَهَذَا كَمَا رُوِيَ : أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي زَادَ فِي أَذَانِهِ : ( الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ) مَرَّتَيْنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ ، فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَذَانِ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ إِيقَاظِ النَّائِمِينَ فِي هَذَا الْوَقْتِ . وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي فَأَذَّنْتُ ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ أُقِيمُ [ يَا ] رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ ، فَيَقُولُ : ( لَا ) ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ فَتَبَرَّزَ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ - يَعْنِي : فَتَوَضَّأَ - فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ أَخَا صُدَاءَ هُوَ أَذَّنَ ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ ) . قَالَ : فَأَقَمْتُ - وَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ طُولٌ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَاجْتَزَأَ بِذَلِكَ الْأَذَانِ ، وَلَمْ يُعِدْهُ بَعْدَ طُلُوعِهِ . وَلِمَنْ رَجَّحَ قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِعَادَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، أَنَّهُ يَقُولُ : هَذَا الْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ . وَقَدْ خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَفْرِيقِيِّ ، وَالْأَفْرِيقِيُّ هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ سَعِيدٌ الْبَرْذَعِيُّ : سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ الصُّدَائِيِّ فِي الْأَذَانِ . فَقَالَ : الْأَفْرِيقِيُّ ، وَحَرَّكَ رَأْسَهُ . قُلْتُ : وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ : فَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْوَاسِطِيِّ ، عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَذِّنْ يَا أَخَا صُدَاءَ ) قَالَ : فَأَذَّنْتُ ، وَذَلِكَ حِينَ أَضَاءَ الْفَجْرُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذَّنَ بَعْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ ، فَخَالَفَ الْأَفْرِيقِيَّ فِي إِسْنَادِهِ ، فَرَوَاهُ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ بُحٍّ الصُّدَائِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي : فِي مَسِيرٍ لَهُ - لَيْلَةً إِلَى الصَّبَاحِ ، فَأَذَّنْتُ بِالصَّلَاةِ لَمَّا أَصْبَحْتُ ، وَأَعْطَانِي إِنَاءً وَتَوَضَّأْتُ مِنْهُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابِعَهُ فِي الْإِنَاءِ ، فَانْفَجَرَ عُيُونًا ، فَقَالَ : ( مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَلْيَتَوَضَّأْ ) - فَذَكَرَ حَدِيثًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ : الْإِقَامَةَ . وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا أَذَّنَ لَمَّا أَصْبَحَ - أَيْضًا . وَقِصَّةُ الْوُضُوءِ وَتَفَجُّرِ الْمَاءِ مَذْكُورَةٌ - أَيْضًا - فِي حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية