الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                      البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                      ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 121 ] سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه - عن رجلين تناظرا فقال أحدهما : لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله  فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك لكن الداعي الشافع : ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك فلا يشفع شفاعة نهي عنها ; كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة . قال تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } .

                                                                                      وقال تعالى في حق المنافقين : { سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } . وقد ثبت في الصحيح : أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين وأخبر أنه لا يغفر لهم . كما في قوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقوله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } وقد قال تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين } - في الدعاء - ومن الاعتداء في الدعاء : أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله . مثل : أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك . أو يسأله ما فيه معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان . [ ص: 131 ]

                                                                                      فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة : شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان . ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه ; فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك . كما قال نوح : { إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين } قال تعالى : { يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } { قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } .

                                                                                      وكل داع شافع دعا الله - سبحانه وتعالى - وشفع : فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة فهو الذي خلق السبب والمسبب ، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله - سبحانه وتعالى - . وإذا كان كذلك : فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ; بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله - سبحانه وتعالى - والله يقدر له من الأسباب - من دعاء الخلق وغيرهم - ما شاء .

                                                                                      والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى : فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويطلبون منه الدعاء ; بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء [ ص: 132 ] ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء وله شفاعات يختص بها - ومع هذا - فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ; فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة ; فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة } وقد { قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه : يا أخي لا تنسني من دعائك } .

                                                                                      فالنبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن يدعوا له ; ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم ، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها مع أنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجورهم في كل ما يعملونه فإنه قد صح عنه أنه قال : { من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا } وهو داعي الأمة إلى كل هدى فله مثل أجورهم في كل ما اتبعوه فيه .

                                                                                      وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلي على أحدهم عشرا وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال : { ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به : آمين ولك مثل ذلك } وفي حديث آخر : { أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب } . [ ص: 133 ] فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له وإن كان الداعي دون المدعو له فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له . فمن قال لغيره ادع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما ، والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى ; فيثاب المأمور على فعله والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه ; لكونه دعا إليه لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد كما قال تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } فأمره بالاستغفار ثم قال : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } .

                                                                                      فذكر - سبحانه - استغفارهم واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا شيئا لم يأمر الله المخلوق به بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ; ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله وصلاح لفاعله وحسنة فيه وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه وإنعامه عليه .



                                                                                      بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان . والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة والحسنات وكلما ازداد العبد عملا للخير . ازداد إيمانه . هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله : { صراط الذين أنعمت عليهم } وفي قوله : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } . بل نعم الدنيا بدون الدين هل هي من نعمه أم لا ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء من أصحابنا وغيرهم . [ ص: 134 ]

                                                                                      والتحقيق : أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه وأما الإنعام بالدين الذي ينبغي طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب فهو الخير الذي ينبغي طلبه باتفاق المسلمين وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة إذ عندهم أن الله هو الذي أنعم بفعل الخير .

                                                                                      والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه الصالحة للضدين فقط . والمقصود هنا : أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق إما واجب أو مستحب . فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك ؟ بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله إلا عند الضرورة . وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور فهذا يثاب على ذلك وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور فهذا من نفسه أتى ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل قد نهى عنه إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه ، ويأمرنا أن نحسن إلى عباده وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه وهو الصلاة .

                                                                                      ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذي هو الزكاة وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال ; لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه ألا ترى أنه قال في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب : أنهم لا يسترقون . وإن كان الاسترقاء جائزا . وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع .



                                                                                      والمقصود هنا : أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي [ ص: 135 ] تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك ; بل هذا دين المشركين عباد الأوثان كانوا يقولون : إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله ; وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } وقال تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } أي فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر والنهي وليؤمنوا بي أن أجيب دعاءهم لي بالمسألة والتضرع .

                                                                                      وقال تعالى : { فإذا فرغت فانصب } . { وإلى ربك فارغب } وقال تعالى : { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } وقال تعالى : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض } . وقال تعالى : { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } . وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحد غير الله ولا يرجو سواه ولا يتوكل إلا عليه . وقال تعالى : { فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } أي يخوفكم أولياءه { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } وقال تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } وقال تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله } وقال تعالى : { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } .

                                                                                      فبين أن الطاعة لله ورسوله وأما الخشية فلله وحده . وقال تعالى : { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله } ونظيره قوله تعالى { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك ; إذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي تألهه القلوب ; لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف حتى قال لهم : { لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ; ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد } { وقال له رجل : ما شاء الله وشئت . فقال : أجعلتني لله ندا ؟ بل ما شاء الله وحده } وقال : { من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت } وقال : { من حلف بغير الله فقد أشرك } وقال لابن عباس : { إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله جف القلم بما أنت لاق ; فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشيء كتبه الله لك ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك } وقال أيضا : { لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله } وقال : { اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد } وقال : { لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم } وقال في مرضه : { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور [ ص: 137 ] أنبيائهم مساجد } يحذر ما صنعوا قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ; ولكن كره أن يتخذ مسجدا . وهذا باب واسع .



                                                                                      ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه : فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب كما جعل المطر سببا لإنبات النبات . قال الله تعالى : { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة } وكما جعل الشمس والقمر سببا لما يخلقه بهما وكما جعل الشفاعة والدعاء سببا لما يقضيه بذلك مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت ; فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه الله بها ويثيب عليها المصلين عليه ; لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور : أحدها : أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد معه من أسباب أخر ومع هذا فلها موانع .

                                                                                      فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع : لم يحصل المقصود وهو - سبحانه - ما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله . الثاني : أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئا سببا بلا علم أو يخالف الشرع : كان مبطلا مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء .

                                                                                      وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { : أنه نهى عن النذر وقال : إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل } . الثالث : أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببا إلا أن تكون مشروعة ; فإن العبادات مبناها على التوقيف ; فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره - وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه - [ ص: 138 ] وكذلك لا يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة - وإن ظن ذلك - فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فما أمر الله به : فمصلحته راجحة وما نهى عنه : فمفسدته راجحة وهذه الجمل : لها بسط لا تحتمله هذه الورقة . والله أعلم .




                                                                                      الخدمات العلمية