الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                          الفروع لابن مفلح

                                                                                                          فصل ويكفر الساحر كاعتقاد حله  ، وعنه : اختاره ابن عقيل ، وجزم به في التبصرة ، وكفره أبو بكر بعمله ، قال في الترغيب : وهو أشد تحريما . وحمل ابن عقيل كلام أحمد في كفره على معتقده ، وأن فاعله يفسق ويقتل حدا ، فعلى الأولى يقتل . وهو من يركب مكنسة فتسير به في الهواء ونحوه ، وكذا قيل في معزم على الجن ويجمعها بزعمه ، وكاهن وعراف ، وقيل : يعزر ( م 5 ) وقيل ولو بقتل .

                                                                                                          وفي الترغيب : الكاهن والمنجم [ ص: 178 ] كالساحر عند أصحابنا ، وأن ابن عقيل فسقه فقط إن قال أصبت بحدسي وفراهتي ، فإن أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد .

                                                                                                          قال شيخنا : التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر ، قال ويحرم إجماعا . وأقر أولهم وآخرهم أن الله تعالى يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه ، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه . ومن سحر بالأدوية والتدخين وسقي مضر عزر  ، وقيل ولو بقتل .

                                                                                                          وقال القاضي والحلواني : إن قال سحري ينفع وأقدر على القتل به قتل  ، ولو لم يقتل به ، ويقاد منه إن قتل بما يقتل غالبا ، وإلا الدية . والمشعبذ والقائل بزجر الطير والضارب بحصى وشعير وقداح إن لم يعتقد إباحته وأنه يعلم به عزر  ، وكف عنه وإلا كفر . ويحرم طلسم ورقية بغير عربي  ، وقيل : يكره ، وتوقف الإمام أحمد في الحل بسحر ، وفيه وجهان ( م 6 ) وسأله مهنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها ، قال : [ ص: 179 ] لا بأس .

                                                                                                          قال الخلال : إنما كره أحمد فعاله ، ولا يرى به بأسا ، كما بينه مهنا ، وهذا من الضرورة التي يبيح فعلها . ولا يقتل ساحر كتابي ، على الأصح .

                                                                                                          وفي التبصرة : إن اعتقدوا جوازه ، وإن قتل به أقيد كما تقدم . وتقدم إن سحر مسلما .

                                                                                                          وفي عيون المسائل أن الساحر يكفر ، وهل تقبل توبته  ؟ على روايتين . ثم قال : ومن السحر السعي 21 بالنميمة والإفساد بين الناس  وذلك شائع عام في الناس ، ونحو ما حكي أن امرأة أرادت إفسادا بين زوجين فقالت للزوجة : إن زوجك يعرض عنك ، وقد سحر ، وهو مأخوذ عنك ، وأنا أسحره لك حتى لا يريد غيرك ، ولكن أريد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام ، فإن بها يتم الأمر ، وذهبت إلى الرجل فقالت له : إن امرأتك قد علقت بغيرك وعزمت على قتلك وأعدت لك موسى في هذه الليلة لنحرك فأشفقت لشأنك ولقد لزمني نصحك . فتناوم الرجل في فراشه ، فلما ظنت المرأة أنه قد نام عمدت إلى [ ص: 180 ] الموسى وأهوت بها إلى حلقه لأخذ الشعر ، ففتح الرجل عينيه فرآها فقام إليها وقتلها .

                                                                                                          وقد ذكر بعضهم أن ذلك روي عن حماد بن سلمة قال : باع رجل غلاما على أنه نمام ، فاشتراه المشتري على ذلك ، فسعى بينه وبين امرأته بذلك ، وفي آخر القصة : فجاء أولياؤها فقتلوه ، فوقع القتال بين الفريقين .

                                                                                                          ثم قال في عيون المسائل : فأما من يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيء مضر فلا يكفر ولا يقتل ويعزر بما يردعه .

                                                                                                          وما قاله غريب ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة فأشبه السحر ، ولهذا يعلم بالعادة والعرف أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر أو أكثر ، فيعطى حكمه ، تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين ، لا سيما إن قلنا بقتل الآمر بالقتل ، على رواية سبقت ، فهنا أولى ، أو الممسك لمن يقتل فهذا مثله ، ولهذا ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال : يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة .

                                                                                                          رأيت بعضهم حكاه عن يحيى بن أكثم قال : النمام شر من الساحر يعمل النمام في ساعة ما لا يعمله الساحر في شهر ، لكن يقال : الساحر ، إنما كفر لوصف السحر ، وهو أمر خاص ، ودليله خاص ، وهذا ليس بساحر ، وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه ، إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة ، ولعل هذا القول أوجه من تعزيره فقط . فظهر مما سبق أنه رواية مخرجة من الممسك والآمر ، وسبقت المسألة في التعزير .

                                                                                                          ومن أطلق الشارع عليه كفره لدعواه ، غير أبيه ومن أتى عرافا [ ص: 181 ] فصدقه بما يقول ، فقيل كفر النعمة ، وقيل : قارب الكفر ، وذكر ابن حامد روايتين :

                                                                                                          ( إحداهما ) تشديد وتأكيد ، نقل حنبل : كفر دون كفر ، لا يخرج عن الإسلام .

                                                                                                          ( والثانية ) يجب التوقف ولا يقطع بأنه لا ينقل عن الملة ، نص عليه في رواية صالح وابن الحكم ( م 7 ) .

                                                                                                          [ ص: 182 ] وإن أسلم أبو حمل أو طفل أو أحدهما لا جده وجدته ، والمنصوص : أو مميز لم يبلغ ، نقل ابن منصور : لم يبلغ عشرا ، فمسلم ، وكذا إن سباه مسلم منفردا ، وعنه : كافر ، كسبيه معهما على الأصح ، وإن سبي مع أحدهما فمسلم ، وعنه : يتبع أباه ، وعنه : المسبي معه منهما ، اختاره الآجري .

                                                                                                          التالي السابق



                                                                                                          الخدمات العلمية