الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ ( وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ ، وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذِمِّيٍّ ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ . وَقِيلَ : يَتَعَاقَلَانِ ، إنْ قُلْنَا : يَتَوَارَثَانِ . وَإِلَّا فَلَا . وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْمُغْنِي ، وَالْمُحَرَّرِ ، وَالشَّرْحِ ، وَغَيْرِهِمْ . قَوْلُهُ ( وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الْجَمِيعَ : فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ ، إنْ كَانَ ذِمِّيًّا ) . هَذَا الْمَذْهَبُ ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي كُتُبِهِ . وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ ، وَالْوَجِيزِ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى . وَقِيلَ : كَمُسْلِمٍ . وَأَجْرَى فِي الْمُحَرَّرِ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ هُنَا . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ . قَوْلُهُ ( وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ) . هَذَا الْمَذْهَبُ . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ . وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالنَّظْمِ ، وَالرِّعَايَتَيْنِ ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ ، وَالْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَعَنْهُ : لَا تَحْمِلُهُ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ ، وَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ : أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَانِي . فَعَلَى الْمَذْهَبِ : يَكُونُ حَالًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ ، وَالزَّرْكَشِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِ . وَقِيلَ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَاقِلَةِ . قَوْلُهُ ( فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ) يَعْنِي : أَخْذُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . ( فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ . وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَهَذَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ . بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ ، وَالْمُنَوِّرِ ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ . قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ : هَذَا الْمَذْهَبُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالنَّظْمِ ، وَالرِّعَايَتَيْنِ ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ ، وَالْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ . قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا : وَهُوَ أَوْلَى ، فَاخْتَارَهُ . [ ثُمَّ قَالَ كَمَا لَوْ قَالُوا فِي فِطْرَةِ زَوْجَةِ الْمُعْسِرِ ، وَضَيْفِهِ . فَإِنَّهُ عَلَيْهِمَا دُونَهُ ; لِأَنَّهُمَا مُحْتَمَلَانِ لَا أَصْلِيَّانِ . وَكَقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ بِمَنْ لَا يَرَى تَحَمُّلَهَا عَنْهُ . وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَحَمَّلَ عَنْهُ شَيْئًا مَغْرَمًا أَوْ مَغْنَمًا بِاخْتِيَارِهِ لَهُ لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ . أَوْ قَهْرًا عَنْهُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ] . وَقَالَ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمُرْتَدِّ : يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ . وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ فَلَمْ يُصِبْ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ : كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ . وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إنْسَانًا : فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ . وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ : فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ لَهُ . قَالَ : فَكَذَا هَذَا . فَاسْتَشْهَدَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى صِحَّةِ مَا اخْتَارَهُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا . وَذَكَرَ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا بِهَا . فَنَذْكُرُ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ . فَمِنْهَا : قَوْلُهُ " يَجِبُ أَرْشُ خَطَأِ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ " وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَنَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا إلَى الْأَصْحَابِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ عَلَيْهِ جَمَاهِيرَ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَغَيْرِهِ . وَحُكِيَ وَجْهٌ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ " وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَلَمْ يُصِبْ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ : كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَغَيْرِهِ ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِ . وَقِيلَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ " وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ . ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إنْسَانًا : فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالْوَجِيزِ ، وَالْمُنَوِّرِ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِ . وَقِيلَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَمِنْهَا قَوْلُهُ " وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ، ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ ، ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ : فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا ، وَغَيْرِهِمْ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَإِنْ تَغَيَّرَ دِينُ جَارِحٍ حَالَتَيْ جَرْحٍ وَزُهُوقٍ : عَقَلَتْ عَاقِلَتُهُ حَالَ الْجَرْحِ . وَقِيلَ : أَرْشُهُ . وَقِيلَ : الْكُلُّ فِي مَالِهِ . وَإِنْ انْجَرَّ وَلَاءُ ابْنِ مُعْتَقَةٍ بَيْنَ جَرْحٍ أَوْ رَمْيٍ وَتَلِفَ فَكَتَغَيُّرِ دِينٍ . وَقَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَغَيْرِهِ . فَائِدَةٌ قَوْلُهُ ( وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا ) . فَسَّرَ الْقَاضِي ، وَغَيْرُهُ الصُّلْحَ بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ . وَقَالَ الْمُصَنِّفُ ، وَغَيْرُهُ : يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُ الْعَمْدِ . بَلْ مَعْنَاهُ : صَالَحَ عَنْهُ صُلْحَ إنْكَارٍ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ . قَالَ الشَّارِحُ : وَهُوَ أَوْلَى ، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ . وَهُوَ الصَّوَابُ . تَنْبِيهٌ : قَوْلُهُ ( وَلَا اعْتِرَافًا ) . وَمَعْنَاهُ : أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ قَتَلَ خَطَأً ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ، أَوْ جَنَى جِنَايَةَ خَطَأٍ أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ، تُوجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ . فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ . لَكِنَّ مُرَادَهُمْ : إذَا لَمْ تُصَدِّقْهُ الْعَاقِلَةُ بِهِ . وَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ . [ بَلْ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ لِلْخِرَقِيِّ . لَكِنْ لَوْ سَكَتَتْ فَلَمْ تَتَكَلَّمْ ، أَوْ قَالَتْ : لَا نُصَدِّقُهُ وَلَا نُكَذِّبُهُ ، أَوْ قَالَتْ : لَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ . فَهَلْ هُوَ كَقَوْلِ الْمُدَّعِي " لَا أُقِرُّ ، وَلَا أُنْكِرُ " أَوْ " لَا أَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ " أَوْ كَسُكُوتِهِ ؟ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي جَوَابِ دَعْوَى فَنُكُولُهُمْ كَنُكُولِهِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَوَابِ دَعْوَى : لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ . وَلَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ بِنُكُولِهِمْ . وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، فَقَالَ فِيهَا : وَلَا اعْتِرَافًا تُنْكِرُهُ . انْتَهَى ] قَوْلُهُ ( وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ ) . هَذَا الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ . وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا شَرِبَتْ دَوَاءً عَمْدًا ، فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا : فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : فَيَتَوَجَّهُ مِنْهَا احْتِمَالُ تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ الْقَلِيلَ . وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : مَا أَصَابَ الصَّبِيَّ مِنْ شَيْءٍ : فَعَلَى الْأَبِ إلَى قَدْرِ ثُلُثِ الدِّيَةِ . فَإِذَا جَاوَزَ ثُلُثَ الدِّيَةِ : فَعَلَى الْعَاقِلَةِ . فَهَذِهِ رِوَايَةٌ لَا تَحْمِلُ الثُّلُثَ . تَنْبِيهٌ : قَوْلُهُ ( وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ . وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا ، إلَّا غُرَّةَ الْجَنِينِ إذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ . فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ ) . يَعْنِي : وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ بِانْفِرَادِهَا ، لَكِنْ لَمَّا وَجَبَتْ مَعَ الْأُمِّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ ، مَعَ زِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ : حَمَلَتْهَا الْعَاقِلَةُ ، كَالدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ . وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ . وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ . وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ خَبَرُ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتْ الْمَرْأَةَ وَجَنِينَهَا ، وَجْهُ الدَّلِيلِ : { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِدِيَةٍ لِلْجَنِينِ عَلَى الْجَانِيَةِ } . حَيْثُ لَمْ تَبْلُغْ الثُّلُثَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية