الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ ( وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ ، فَانْهَدَمَ . فَطَالَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ : أُجْبِرَ عَلَيْهِ ) . هَذَا الْمَذْهَبُ . بِلَا رَيْبٍ . وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَحَرْبٍ ، وَسِنْدِيٍّ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا . قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَصَحُّ . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : لَزِمَ الْآخَرَ عَلَى الْأَصَحِّ . قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ ، وَالْفَائِقِ ، وَغَيْرِهِمْ : أُجْبِرَ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ . قَالَ ابْنُ رَزِينٍ : اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَشْيَاخِ . قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ : هَذَا الْمَذْهَبُ . نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٌ . وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَغَيْرِهِ . وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالْفُرُوعِ ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى ، وَغَيْرِهِمْ . وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ . وَعَنْهُ لَا يُجْبَرُ . اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَالشَّارِحُ . وَقَالَا : هُوَ أَقْوَى فِي النَّظَرِ . وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ : وَهُوَ أَظْهَرُ ، كَبِنَاءِ حَائِطٍ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا . فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : قَالَ الْمُصَنِّفُ ، وَالشَّارِحُ ، وَغَيْرُهُمَا : لَوْ بَنَاهُ ، ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَهُ . فَإِنْ كَانَ بَنَاهُ بِآلَتِهِ : لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ بَنَاهُ مِنْ عِنْدِهِ : فَلَهُ نَقْضُهُ . فَإِنْ قَالَ الشَّرِيكُ : أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَلَا تَنْقُضْهُ : لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ . وَإِنْ أَرَادَ غَيْرُ الْبَانِي نَقْضَهُ ، أَوْ إجْبَارَ بَانِيهِ عَلَى نَقْضِهِ : لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ . انْتَهَيَا . وَيَأْتِي الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا : يُجْبَرُ ، فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ . وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا : لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ . لَكِنْ إنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا . وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ عَمَلِهِ ، عَلَى الصَّحِيحِ . وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ فِي الْأَشْهَرِ . كَمَا لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ . قَالَ فِي الْكَافِي : عَادَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا كَانَ بِرُسُومِهِ وَحُقُوقِهِ ; لِأَنَّهُ عَادَ بِعَيْنِهِ . وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ ، وَالْمُذْهَبِ ، وَالْخُلَاصَةِ ، وَالْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ . قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالسَّبْعِينَ : هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ، وَابْنِ عَقِيلٍ ، وَالْأَكْثَرِينَ . وَقَدَّمَهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَالتَّلْخِيصِ ، وَالرِّعَايَتَيْنِ . وَقِيلَ : لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ حَتَّى يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَمَلِ . جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ ، وَالْمُحَرَّرِ ، وَالْحَاوِيَيْنِ . وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ . وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ . وَحَكَاهُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ . قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ : وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ عَدَمِ مَنْعِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ عَمَلِهِ نَظَرٌ . بَلْ يَنْبَغِي أَنَّ الثَّانِيَ يَمْلِكُ مَنْعَ شَرِيكِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْغَرَامَةِ الْوَاقِعَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَأَدَّى إلَى ضَيَاعِ حَقِّ الشَّرِيكِ . انْتَهَى . قُلْت : وَهُوَ الصَّوَابُ . قَالَ فِي الْوَجِيزِ : وَإِذَا بَنَى أَحَدُهُمَا الْحَائِطَ بِأَنْقَاضِهِ . فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، إنْ أَدَّى الْآخَرُ نِصْفَ قِيمَةِ التَّالِفِ . قَوْلُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ( وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ لَهُ ) . وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ حَاكِمٍ فِي بِنَائِهِ . صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ . وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ . وَاعْتَبَرَ فِي الْمُجَرَّدِ إذْنَ الْحَاكِمِ . وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ يُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ ( وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِانْتِفَاعُ بِهِ ) فَلَهُ مَنْعُ شَرِيكِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَمِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ وَرُسُومِهِ حَتَّى يَدْفَعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ . صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ ، وَالْقَوَاعِدِ . قَالَ فِي الْفَائِقِ : اخْتَصَّ بِهِ وَبِنَفْعِهِ دُونَ أَرْضِهِ . قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ : مَلَكَهُ الْبَانِي خَاصَّةً ، وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ . فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْبَانِي عَلَيْهِ رَسْمُ طَرْحِ أَخْشَابٍ ، فَالْبَانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ وَضْعِ أَخْشَابِهِ ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْحَائِطِ . وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِنَاءَهُ لِيُعِيدَ الْبِنَاءَ بَيْنَهُمَا . أَوْ يَشْتَرِكَانِ فِي الطَّرْحِ . وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَإِنْ بَنَاهُ بِغَيْرِهَا ، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِ رَسْمِ طَرْحِ خَشَبٍ . فَظَاهِرُ كَلَامِهِ : عَدَمُ الْمَنْعِ مِنْ الرُّسُومِ . وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِالْمَنْعِ . وَالظَّاهِرُ : أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِالْجَوَازِ : إذَا كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي ذَلِكَ ، وَأَرَادَ الِانْتِفَاعَ بَعْدَ بِنَائِهِ . وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ ، وَالشَّارِحُ بَعْدَ كَلَامِهِمَا الْأَوَّلِ بِقَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَا : فَإِنْ كَانَ عَلَى الْحَائِطِ رَسْمُ انْتِفَاعٍ ، أَوْ وَضْعِ خَشَبٍ ، قَالَ لَهُ : إمَّا أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِهِ . أَوْ تُمَكِّنَنِي مِنْ انْتِفَاعِي ، وَإِمَّا أَنْ تُقْلِعَ حَائِطَك لِنُعِيدَ الْبِنَاءَ بَيْنَنَا . فَيَلْزَمُ الْآخَرَ إجَابَتُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ رُسُومِهِ وَانْتِفَاعَهُ بِبِنَائِهِ . انْتَهَيَا . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا . فَائِدَةٌ : قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالسَّبْعِينَ ، فَإِنْ قِيلَ : فَعِنْدَكُمْ لَا يَجُوزُ لِلْجَارِ مَنْعُ جَارِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِوَضْعِ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِهِ . فَكَيْفَ مَنَعْتُمْ هُنَا ؟ . قُلْنَا : إنَّمَا مَنَعْنَا هُنَا مِنْ عَوْدِ الْحَقِّ الْقَدِيمِ الْمُتَضَمِّنِ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ قَهْرًا . سَوَاءً كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَأَمَّا التَّمْكِينُ مِنْ الْوَضْعِ لِلِارْتِفَاقِ : فَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى . وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا الْحَاجَةَ أَوْ الضَّرُورَةَ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ ( فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ ) يَعْنِي الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَبْنِ : الِانْتِفَاعَ ( خُيِّرَ الْبَانِي بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ ، وَبَيْنَ أَخْذِ آلَتِهِ ) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ . لَكِنْ لَوْ اخْتَارَ الْأَخْذَ ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ : أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ قِيمَةِ بِنَائِهِ . جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَالْحَاوِيَيْنِ ، وَالْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ . وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ . وَعَنْهُ يَدْفَعُ مَا يَخُصُّهُ كَغَرَامَةٍ ; لِأَنَّهُ نَائِبُهُ مَعْنًى . وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى . فَوَائِدُ : إحْدَاهَا : إذَا قُلْنَا : يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ مَعَهُ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، وَامْتَنَعَ : أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ . فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ بَاعَ مِنْ عُرُوضِهِ . فَإِنْ تَعَذَّرَ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ . وَإِنْ عَمَّرَهُ شَرِيكُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ إذْنِ حَاكِمٍ رَجَعَ عَلَيْهِ . وَإِنْ أَرَادَ بِنَاءَهُ لَمْ يَمْلِكْ الشَّرِيكُ مَنْعَهُ . وَمَا أَنْفَقَ ، إنْ تَبَرَّعَ بِهِ : لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ . وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ . فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ ؟ . قَالَ فِي الشَّرْحِ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ . انْتَهَى . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ عَلَى الْأَوَّلِ : الْخِلَافُ . وَإِنْ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ بِآلَتِهِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا . وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً . فَإِنْ أَرَادَ نَقْضَهُ فَلَهُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ . فَلَا يَكُونُ لَهُ نَقْضُهُ . الثَّانِيَةُ : يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْعِمَارَةِ مَعَ شَرِيكِهِ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُشْتَرَكَةِ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَالرِّوَايَتَيْنِ . قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا . وَعَنْهُ لَا يُجْبَرُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية