الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        ( فإن تيقن المسافر   ) هو جرى على الغالب فالمقيم مثله ( فقده ) وعود الضمير في كلامه للمضاف إليه سائغ بل متعين هنا بقرينة السياق ( تيمم بلا طلب ) بفتح اللام ويجوز إسكانها ، إذ طلب ما يعلم فقده عبث لا فائدة له ككونه في بعض رمال البوادي .

                                                                                                                                                                                                        ومن صور تيقن فقده كما في البحر ما لو أخبره عدول بفقده ، بل الأوجه إلحاق العدل في ذلك بالجمع إذا أفاد الظن أخذا مما يأتي فيما لو بعث النازلون ثقة يطلب لهم ( وإن توهمه ) أي وقع في وهمه : أي ذهنه بأن جوز وجود ذلك كما قاله الشارح : يعني تجويزا راجحا وهو الظن ، أو مرجوحا وهو الوهم ، أو مستويا وهو الشك ، فليس [ ص: 266 ] المراد بالوهم هنا الثاني وإن كان صحيحا ( طلبه ) مما توهمه حتما وإن ظن عدمه كما مر ، إذ التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهر بالماء ، ولا بد من وقوع الطلب في الوقت لانتفاء الضرورة قبله ، وله استنابة موثوق به فيه بخلاف القبلة لكونها مجتهدا فيها وما هنا محسوس ، ولا يكفي بلا إذن أو بإذن ليطلب له قبل الوقت ، أو أذن له قبله وأطلق فطلب له قبله أو شاكا فيه .

                                                                                                                                                                                                        نعم الأقرب الاكتفاء في حالة الإطلاق بطلبه في الوقت كما لو وكل محرم حالا ليعقد له النكاح ، ولو أذن له قبل الوقت ليطلبه له فيه كفى ولا أثر لإخبار فاسق بماء وجودا ولا عدما خلافا للماوردي ، ولو طلب قبل الوقت لفائتة أو نافلة فدخل الوقت عقب طلبه  تيمم لصاحبة الوقت بذلك الطلب كما قاله القفال في فتاويه ، ويؤخذ منه أن طلبه لعطش نفسه أو حيوان محترم كذلك ، وقد يجب طلبه قبل الوقت كما في الخادم أو في أوله لكون القافلة عظيمة لا يمكن استيعابها إلا بمبادرته أول الوقت ، فيجب عليه تعجيل الطلب في أظهر احتمالي ابن الأستاذ ، ولو طلب قبله ودام نظره إلى المواضع التي يجب نظرها حتى دخل الوقت كفى ، قاله ابن الصباغ وغيره ، ولا يجزئه مع الشك في دخول الوقت وإن صادفه ( من رحله ) هو مسكن الشخص [ ص: 267 ] من حجر أو مدر أو شعر أو وبر ، ويجمع في الكثرة على رحال وفي القلة على أرحل ، ويطلق أيضا على ما يستصحبه من الأثاث ( ورفقته ) بتثليث الراء : أي إلى أن يستوعبهم أو يضيق الوقت فلا يبقى إلا ما يسع تلك الصلاة ، ولا يجب الطلب من كل بعينه بل يكفي نداء يعم جميعهم بأن يقول من معه ماء من يجود به من يبيعه ، فيجمع بينهما لأنه قد يبذله ولا يهبه ولا يبيعه ، ولو اقتصر على من يجود به سكت من لا يبذله مجانا ، أو على إطلاق النداء سكت من يظن اتهابه ولا يسمح إلا ببيعه ولو بعث النازلون ثقة يطلبه لهم كفى ( ونظر حواليه ) من جهاته الأربع ( إن كان بمستو ) من الأرض ويخص مواضع الخضرة والطير بمزيد احتياط وهو واجب إن غلب على الظن توقف غلبة ظن الفقد عليه ( فإن احتاج إلى تردد ) بأن كان ثم شجر أو جبل أو وهدة أو نحوها ( تردد قدر نظره ) أي قدر ما ينظر إليه في المستوى ، والمراد نظر المعتدل ، وضبطه الإمام بحد الغوث وهو الموضع الذي لو استغاث برفقته لأغاثوه مع ما هم عليه من تشاغلهم بأحوالهم وتفاوضهم في أقوالهم .

                                                                                                                                                                                                        وقول الشارح قيل وما هنا كالمحرر أزيد من ذلك بكثير واضح ، وإنما عبر عنه بقيل لعدم كونه في كلام الشيخين وإنما هو في كلام الشراح ، وعبر عنه [ ص: 268 ] في الشرح الصغير بغلوة سهم : أي غاية رميه ، ويختلف ذلك باستواء الأرض واختلافها صعودا وهبوطا ، وقولهم إن كان بمستو من الأرض نظر حواليه .

                                                                                                                                                                                                        ولا يلزمه مشي أصلا وإن كان بقربه جبل صعده ونظر حواليه إن أمن .

                                                                                                                                                                                                        قال الشافعي رحمه الله في البويطي : وليس عليه أن يدور لطلب الماء لأن ذلك أضر عليه من إتيانه الماء في المواضع البعيدة من طريقه وليس ذلك عليه عند أحد ا هـ .

                                                                                                                                                                                                        قال الزركشي : فقد أشار إلى نقل الإجماع على عدم وجوب التردد ا هـ يمكن حمله على تردد غير متعين بأن كان لو صعد أحاط بحد الغوث من الجهات الأربع ، إذ لا فائدة مع ذلك لوجوب التردد وحمل الأول على ما إذا كان نحو الصعود لا يفيده النظر فتعين التردد ، ولا بد أن يأمن على نفسه وماله وعضوه واختصاصه المحترم وانقطاعا عن رفقته وإن لم يستوحش بخلاف الجمعة لتكرره كل يوم ، بخلافها وفوت وقت تلك الصلاة بأن لم يبق من ذلك إلا ما يسعها ، وبفارق واجد الماء بحيث لو توضأ خرج الوقت ولو [ ص: 269 ] جمعة فإنه يجب عليه الوضوء ولا يتيمم بأنه ليس بفاقد للماء ( فإن لم يجد ) بعد البحث المذكور ماء ( تيمم ) لأن الفقد حاصل وتأخير التيمم عن الطلب في الوقت  جائز إن لم يحدث سبب يحتمل معه وجود الماء ( فلو ) طلب كما مر وتيمم ، و ( مكث ) بضم الكاف وفتحها ( موضعه ) ولم يتيقن عدمه بالطلب الأول ولم يوجد ما يحال عليه وجوده ( فالأصح وجوب الطلب ) ثانيا ( لما يطرأ ) أي سواء كان طريانه للحدث أم للجمع بين الصلاتين أم قضاء صلوات متوالية أم غير متوالية ونحو ذلك لاحتمال اطلاعه على بئر خفيت عليه أو وجود من يدله على الماء لكن الطلب الثاني أخف من الأول .

                                                                                                                                                                                                        والثاني لا يجب لأنه لو كان هناك ماء لظفر به بالطلب الأول ، وقوله مكث موضعه من زياداته على المحرر من غير تمييز .

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        حاشية المغربي

                                                                                                                                                                                                        ( قوله : هو جرى على الغالب ) فالمقيم مثله . قال الشيخ عميرة : لك أن تقول قد جعل أحوال المسافر ثلاثة : تيقن الفقد وتوهم الوجود ، وتيقن الوجود كما يعلم من كلامه . وحينئذ فالحال الثالث لك أن تتوقف في كون المقيم فيها كالمسافر من كل وجه ، بدليل أن المقيم يقصد الماء المتيقن وإن خرج الوقت بخلاف المسافر انتهى .

                                                                                                                                                                                                        ( قوله : وهو الظن ) الظن تارة يستند إلى إخبار عدل فيلحق باليقين وتارة لا ، فهو كالوهم فلا ينافي ما هنا ما يأتي قريبا [ ص: 266 ] قوله : موثوق به ) أي بأن يكون ثقة لا فاسقا بدليل قوله الآتي : ولا أثر لإخبار فاسق إلخ ، وبدليل قوله فيما مر فيما لو بعث النازلون ثقة فليحرر ( قوله : ولا أثر لإخبار فاسق إلخ ) هذا لا تعلق له بالطلب الذي الكلام فيه بل هو أمر سابق على الطلب فكان ينبغي ذكره عند قوله المار ، ومن صور تيقن فقده كما في البحر ما لو أخبره عدول إلخ وعن خط الشيخ أن محل عدم الأخذ بقول الفاسق : أي بالنسبة للوجود ما إذا لم يوقع إخباره في الوهم وجود الماء ، وهو ظاهر .

                                                                                                                                                                                                        وقد تلخص أن طريقة الشيخ عدم صحة توكيل الفاسق في طلب الماء مخالفا في ذلك للشهاب ابن حجر ( قوله : وقد يجب طلبه قبل الوقت ) نظر فيه الشهاب ابن قاسم بما يأتي من جواز إتلاف الماء الذي معه قبل الوقت انتهى . وقد ينظر فيه أيضا [ ص: 267 ] بأن الذين يجب عليه استيعابهم هم رفقته المنسوبون إليه لا جميع القافلة كما يأتي ( قوله : ولا يهبه ) لا محل له هنا ( قوله : وضبطه ) يحتمل رجوع الضمير إلى ما يجب التردد إليه فيكون قد أثبت المخالفة بين هذا وبين ما في المتن أول وهلة ، ويوافقه قوله : الآتي وقول الشيخ قيل إلخ ، وإن كان فيه مؤاخذات تأتي ، ويحتمل رجوعه لما في المتن ، فيكون قد أشار إلى ما صرح به في شرح المنهج من نفي المخالفة بين هذه العبارات ; لأن مؤداها واحد ( قوله : واضح ) خبر [ ص: 268 ] قول المصنف وفي الحقيقة الوضوح إنما هو للقيل الذي حكاه الشيخ لا نفس حكايته ، وقوله وإنما عبر عنه بقيل لا يخفى أن الضمير في عنه للمخالفة التي أثبتها القيل بين ما هنا وبين ضبط الإمام ، وليس فيه إثبات حكم حتى يقال : وإنما عبر عنه بقيل ; لأنه ليس في كلام الشيخين ، على أن كونه ليس في كلام الشيخين لا يقتضي التعبير عنه بقيل . وبالجملة ففي سياقه غاية القلاقة مع أنه لا يعلم منه ما رجحه في ضبط ما يجب التردد إليه . والذي يظهر أن الشيخ الجلال إنما مراده بما ذكره عن الشيخ نفي المخالفة بين ما هنا ، وضبط الإمام الذي قدمناه عن شرح المنهج فحكايته للمخالفة بقيل إنما هو للإشارة لضعفها لا كما فهمه عن الشيخ ( قوله : وقولهم إن كان بمستو إلخ ) مراده به الجواب عما اعترض به على المتن في إيجاب التردد من أنه مخالف لكلام الشافعي ، والأصحاب من عدم إيجاب التردد مطلقا [ ص: 269 ] والجواب للشهاب ابن حجر تصرف الشيخ في إيراده بما فيه قلاقة ( قوله : وتأخير التيمم عن الطلب في الوقت جائز ) أي فلا يمنع صحة التيمم ; لأنه لا معنى للجواز هنا إلا ذلك كما هو ظاهر ، وبهذا اتضح بمعنى تقييده بقوله إن لم يحدث إلخ ، وهذا أولى من جعل شيخنا له قيدا للمتن ; لأنه خلاف الظاهر من السياق




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية