الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        أما الاستنجاء بالماء  فيسن فيه التثليث كسائر النجاسات كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ( فإن لم ينق ) المحل بالثلاث ( وجب ) عليه ( الإنقاء ) برابع فأكثر لأنه المقصود من الاستنجاء والإنقاء أن يزيل العين حتى لا يبقى إلا أثر [ ص: 150 ] لا يزيله إلا الماء أو صغار الخزف ( وسن الإيتار ) بالمثناة في عدد المسحات حيث حصل الإنقاء بشفع بعد الثلاث لما صح من الأمر به ، ولم ينزلوا مزيل العين هنا منزلة المرة الواحدة لأن المقام مقام تخفيف ، والأمر هنا دائر على حصول الإيتار فقط رعاية للأمر به ، فالقول بأنه إن حصل الإنقاء بوتر سن ثنتان ليحصل فضل التثليث لنصهم على ندبه في إزالة النجاسة بزيادة ثنتين بعد الحكم بالطهارة ، أو بشفع سن ثلاث ثنتان للتثليث وواحدة للإيتار مردود عملا بإطلاقهم ، ولو شم ريح نجاسة في يده بعد استنجائه  لم يحكم بنجاسة المحل وإن حكمنا على يده بالنجاسة لأنا لم نتحقق أن محل الريح باطن الأصبع الذي كان ملاصقا للمحل لاحتمال أنه في جوانبه فلا ينجس بالشك ، أو أن هذا المحل قد خفف فيه في الاستنجاء بالحجر فخفف فيه هنا واكتفى بغلبة ظن زوال النجاسة .

                                                                                                                                                                                                        ( وكل حجر ) من الأحجار الواجبة ( لكل محله ) أي يمسح بكل حجر كل محله فيضع واحدا على مقدم صفحته اليمنى ويمره على الصفحتين حتى يصل إلى ما بدأ منه ، ويضع الثاني على مقدم اليسرى ويفعل مثل ذلك ، ويمر الثالث على الصفحتين [ ص: 151 ] والمسربة ( وقيل يوزعن لجانبيه والوسط ) فيمسح بحجر الصفحة اليمنى وبالثاني اليسرى وبالثالث الوسط ، والخلاف في الاستحباب لا في الوجوب ، ولا بد على كل قول من تعميم المحل بكل مسحة كما اعتمده الوالد رحمه الله تعالى ، ويعلم من كلام المصنف أن عطف قوله وكل حجر لكل محله على ثلاثة فيفيد وجوب تعميم كل مسحة من الثلاث لكل جزء من المحل ، وقد جزم بذلك في الأنوار ( ويسن ) الاستنجاء ( بيساره )  للاتباع ولما صح من { نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين } فهو مكروه ، وكيفية الاستنجاء باليسار بالماء  أن يغسل بها ويصب باليمين ، وبالحجر في حق المرأة أن تمسح بما فيها من غير استعانة باليمين في شيء .

                                                                                                                                                                                                        وكذا في حق الرجل في الغائط ، بخلاف البول فإنه إن استنجى بنحو جدار أمسك الذكر بها ومسحه على ثلاثة مواضع ، فإن ردده على محل مرتين تعين الماء ، وقضية كلام المجموع إجزاء المسح ما لم ينقل النجاسة سواء كان من أعلى إلى أسفل [ ص: 152 ] أم عكسه وهو ظاهر خلافا للقاضي ، ويسن أن يدلك يده بنحو الأرض ثم يغسلها وينضح فرجه وإزاره بعده ويعتمد أصبعه الوسطى لأنه أمكن ولا يتعرض للباطن فإنه منبع الوسواس ، ولو استنجى بالأحجار فعرق محله فإن سال منه وجاوزه لزمه غسل ما سال إليه وإلا فلا لعموم البلوى به ، وينبغي وضع الحجر على محل طاهر بقرب النجاسة ويديره قليلا قليلا ، ولا يضر النقل الحاصل من الإدارة الذي لا بد منه كما في المجموع ، وما في الروضة من كونه مضرا محمول على نقل من غير ضرورة ( ولا استنجاء واجب لدود وبعر بلا لوث في الأظهر ) إذ لا معنى له كالريح ، والثاني نعم إذ لا يخلو عن الرطوبة ، وعلى الأول يستحب خروجا من الخلاف ، وجمع بين الدود والبعر ليعلم أنه لا فرق بين الطاهر والنجس ، وقد نقل المتولي وغيره الإجماع على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح .

                                                                                                                                                                                                        قال ابن الرفعة : ولم تفرق الأصحاب بين أن يكون المحل رطبا أو يابسا ، ولو قيل بوجوبه عند ترطب [ ص: 153 ] المحل لم يبعد كما قيل به في دخان النجاسة وهو مردود ، فقد قال الجرجاني إنه مكروه ، وصرح الشيخ نصر بتأثيم فاعله والمعتمد الأول ، وعلم من ذلك عدم الاستحباب منه أيضا وإن كان المحل رطبا كما أوضحته في شرح العباب .

                                                                                                                                                                                                        ويقول بعد فراغ الاستنجاء كما في الإحياء : اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش .

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        حاشية المغربي

                                                                                                                                                                                                        ( قوله : أما الاستنجاء بالماء ) مفهوم قوله فيما مر في الاستنجاء [ ص: 150 ] بالحجر فكأنه قال : خرج بالحجر الماء ، فإنه إنما يسن فيه التثليث ولا يجب ( قوله : لأنا لم نتحقق أن محل الريح إلخ ) مقتضاه أنه لو تحقق ذلك حكم بنجاسة المحل ، وقوله بعد ذلك أو أن المحل قد خفف فيه إلخ مقتضاه عدم الحكم ببقاء النجاسة في المحل وإن تحقق أن الريح في باطن الأصبع ، وهو منقول من شرح الروض ، واقتصر الزيادي على العلة الثانية ( قوله حتى يصل إلى ما بدأ منه ) أي مع مسح المسربة كما علم من قول المصنف وكل حجر [ ص: 151 ] لكل محله ( قوله : ، والخلاف في الاستحباب ) أي كما يعلم من كلام المصنف إن جعل قوله وكل حجر معطوفا على الإيتار الذي هو الظاهر ، وهو الذي سلكه المحقق الجلال وغيره ، خلاف ما سيأتي في قول الشارح ويعلم من كلام المصنف أن عطف قوله وكل حجر إلخ ، وظاهر أن معنى كون الخلاف في الاستحباب أن كل قول يقول بندب الكيفية التي ذكرها مع صحة الأخرى ، وهذا هو نص الشيخين كما يعلم بمراجعة كلامهما الغير القابل للتأويل ، وبينه الشهاب ابن قاسم في شرح الغاية أتم تبيين ، ومنه يعلم عدم وجوب التعميم في كل مرة على كل من الوجهين ، غاية الأمر أنه يستحب في الوجه الأول ، وصنف في ذلك الشهاب عميرة وغيره خلاف قول الشارح الآتي كالشهاب ابن حجر ، ولا بد على كل قول من تعميم المحل ( قوله : لا في الوجوب ) أي على الصحيح ، وقيل في الوجوب ، وحينئذ فالوجه الأول لا يجيز الكيفية التي ذكرها الثاني ، وهو ظاهر ، والثاني لا يجيز كيفية الأول للخبر المصرح بالتخصيص وقول العدد معتبر بالإضافة إلى جملة المحل دون كل جزء منه كما نقله الرافعي عن الجويني ( قوله : ويعلم ) [ ص: 152 ] أي أنه لا بد على كل قول إلخ ، وفي علم ذلك من كلام المصنف بواسطة العطف المذكور منع ظاهر ; لأنه حينئذ إنما يفيد وجوب التعميم على الوجه الأول وعدمه على الثاني ، إذ المعنى حينئذ : ويجب كل حجر لكل محله ، وقيل لا يجب بل يوزعن إلخ كما هو قضية المقابلة ، وقد قدمنا أنه إن عطف وكل حجر على الإيتار الذي هو الظاهر أفاد أنه لا يجب التعميم على كل من القولين ، فينتج من ذلك أن القول الثاني لا يقول بالتعميم في كل مرة سواء جعلنا الخلاف في الاستحباب أو في الوجوب ، فعلم ما في قول الشارح ، ولا بد على كل قول إلخ لا سيما مع تصويره للوجه الثاني بقوله فيمسح بحجر الصفحة إلخ ، والشهاب ابن حجر لما كان موافقا للشارح في وجوب التعميم بكل حجر على كل من القولين تكلف لتصوير الوجه الثاني بما ينتج له ذلك وإن كان مخالفا للمنقول كما مر فقال : [ ص: 153 ] فيمسح بحجر الصفحة اليمنى : أي أولا ، وهذا مراد من عبر بوحدها ثم يصمم ، وبثان اليسرى : أي أولا كذلك ، وبثالث الوسط : أي أولا كذلك انتهى ( قوله : ، والمعتمد الأول ) أي قول الجرجاني .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية