الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        ( ويحرمان بالصحراء ) بعين الفرج ولو مع عدمه [ ص: 135 ] بالصدر لعين القبلة لا جهتها فيما يظهر بدون ساتر في غير معد لذلك قال صلى الله عليه وسلم { إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا } رواه الشيخان ورويا أيضا { أنه صلى الله عليه وسلم قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشام مستدبر الكعبة } وروى ابن ماجه وغيره بإسناد حسن { أنه صلى الله عليه وسلم ذكر عنده أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال أوقد فعلوها حولوا بمقعدتي إلى القبلة } فجمع أئمتنا أخذا من كلام الشافعي رضي الله عنه بين هذه الأخبار بحمل أولها المفيد للتحريم على الصحراء لأنها لسعتها لا يشق فيها اجتناب الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان فقد يشق فيه اجتناب ذلك فيجوز فعله كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز والمعتبر في الساتر أن يكون مرتفعا قدر ثلثي ذراع فأكثر في حق الجالس   .

                                                                                                                                                                                                        قال جماعة من الأصحاب : لأنه يستر من سرته إلى موضع قدميه فيؤخذ منه أنه يعتبر في حق القائم أن يستر من سرته إلى موضع قدميه كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى وكلام الأصحاب في اعتبار ذلك الارتفاع خرج مخرج الغالب ، ولعل وجهه صيانة القبلة عن خروج الخارج من الفرج وإن كانت العورة تنتهي بالركبة .

                                                                                                                                                                                                        وأما عرضها فالمعتبر فيه أن يستر جميع ما توجه به سواء في ذلك القائم والجالس ، فسترة القائم فيه كسترة الجالس ، ولا بد أن لا يتباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع ، ويحصل بالوهدة والرابية والدابة وكثيب الرمل وغيرها ، [ ص: 136 ] وكذا إرخاء الذيل .

                                                                                                                                                                                                        أما إن كان في معد ولو بلا سترة فلا حرمة ولا كراهة ولا خلاف الأولى ، أو في غير معد بسترة فخلاف الأولى .

                                                                                                                                                                                                        واعلم أن العلة الصحيحة للتحريم فيما مر هي تعظيم جهة القبلة  ، والتعليل بأن الفضاء لا يخلو غالبا عن مصل إنسي أو غيره فقد يرى قبله إن استدبرها أو دبره إن استقبلها ضعيف كما في المجموع ، لأن غير الصحراء كذلك من عدم خلوه غالبا عمن ذكر ، ولأنه لو حال بينه وبينها ساتر جاز وإن كان دبره مكشوفا على المعتمد خلافا لبعضهم ، ولو استقبلها بصدره وحول قبله عنها وبال لم يحرم بخلاف عكسه ، ولو اشتبهت عليه القبلة وجب الاجتهاد حيث لا سترة وإلا استحب ، ويأتي هنا جميع ما سيأتي قبيل صفة الصلاة ، ومنه حرمة التقليد مع تمكنه من الاجتهاد وأنه يجب التعلم لذلك ، ومحل ذلك كله ما لم يغلبه الخارج أو يضره كتمه وإلا فلا حرج ، ولو هبت ريح عن يمين القبلة ويسارها جاز الاستقبال والاستدبار ، ولو : تعارض الاستقبال والاستدبار وجب الاستدبار لأن الاستقبال أفحش .

                                                                                                                                                                                                        ويكره استقبال القمرين في الليل  كما بحثه الحضرمي ، ومراده بالقمرين القمر فقط .

                                                                                                                                                                                                        أما الشمس فيتقيد حكمها بالنهار بخلاف استدبارهما ، ويكره محاذاة ما كان قبلة ونسخ ولو باستدبار كما جرى عليه ابن المقري في روضه وسواء كان كذلك ببول أم غائط للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره كما في المجموع ، وإنما حملوا النهي هنا على التنزيه وفيما مر على التحريم في بعض أحواله للإجماع ، إذ لا نعلم أحدا ممن يعتد به حرمه هنا ، قاله المصنف في المجموع .

                                                                                                                                                                                                        والأوجه أن السترة المانعة للحرمة فيما مر تمنع الكراهة هنا ،

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        حاشية المغربي

                                                                                                                                                                                                        ( قوله : بعين الفرج ) أي الخارج منه كما قاله الشهاب ابن حجر ، ولا يخفى أن معنى الاستقبال بالفرج المذكور جعله جهة القبلة ، فيلزم أن يكون الاستدبار بجعله في الجهة التي تقابل جهة القبلة ، فإذا تغوط ، وهو مستقبل القبلة بصدره ، فهو مستقبل القبلة وعكسه بعكسه ، فحينئذ إذا كان صدره أو ظهره للقبلة وبال أو تغوط بلا سترة حرم عليه مطلقا ; لأنه إما مستقبل أو مستدبر : أي ما لم يلفت ذكره في مسألة البول إلى جهة اليمين أو اليسار .

                                                                                                                                                                                                        ووجهه الشهاب ابن قاسم في شرح العباب بما حاصله أنه إذا استدبر بالخارج لم يكن بينه وبين القبلة ساتر إلا أنثياه وذكره أو أنثياه فقط وذلك غير كاف في الستر ، لكنه بناه على ما مشى عليه كغيره من أن المدار في الاستقبال والاستدبار بالصدر لا بالفرج ، ولا يخفى أن المرجع واحد غالبا ، والخلاف إنما هو في مجرد التسمية ، فإذا جعل ظهره للقبلة وتغوط فالشارح كالشهاب ابن حجر يسميانه مستقبلا ، وإذا جعل صدره للقبلة وتغوط يسميانه مستدبرا ، والشهاب ابن قاسم كغيره يعكسون ذلك ، وإذا جعل صدره أو ظهره للقبلة وبال فالأول مستقبل اتفاقا والثاني مستدبر كذلك .

                                                                                                                                                                                                        نعم يقع الخلاف المعنوي فيما لو جعل صدره أو ظهره للقبلة وألفت ذكره يمينا وشمالا وبال ، فهو غير مستقبل ولا مستدبر عند الشيخ كالشهاب ابن حجر ، بخلافه عند الشهاب ابن قاسم وغيره فتأمل ( قوله : ولو مع عدمه ) مراده عدم الاستقبال أو الاستدبار بالصدر كما [ ص: 135 ] هو كذلك في التحفة ، ولعل لفظ بالصدر سقط من النساخ ( قوله : في غير معد ) قيد للحرمة في الصحراء ، فهو صريح في أنه إذا اتخذ له محلا في الصحراء بغير ساتر وأعده لقضاء الحاجة لا يحرم قضاء الحاجة فيه لجهة القبلة ، وسيأتي التصريح به أيضا ، ومنه ما يقع للمسافرين إذا نزلوا ببعض المنازل ( قوله : إذا أتيتم الغائط ) هو مستعمل هنا في حقيقته الذي هو المحل المطمئن من الأرض ، وإنما سمي الخارج به من مجاز المجاورة ( قوله : على الصحراء ) أي في غير المحل المعد منها كما مر ( قوله : فالمعتبر فيه أن يستر جميع ما توجه به ) أي من بدنه كما هو ظاهر ، وعليه لو [ ص: 136 ] جعل جنبه جهة القبلة ولوى ذكره إليها حال البول يجب عليه أن يستر جميع جنبه عرضا ( قوله : ولا خلاف الأولى ) أي لكنه خلاف الأفضل حيث سهل التنزه عنه كما قاله العلامة ابن حجر ، وبه تعلم أن خلاف الأولى غير خلاف الأفضل ، وذلك ; لأن خلاف الأولى باصطلاح الأصوليين صار اسما للمنهي عنه لكن بنهي غير خاص ، فهو المعبر عنه بالمكروه كراهة خفيفة ، وأما خلاف الأفضل فمعناه أنه لا نهي فيه بل فيه فضل إلا أن خلافه أفضل منه وإن توقف في ذلك شيخنا في الحاشية في محلات ( قوله : كذلك ) أي لا يخلو غالبا عن مصل إلخ ، فقوله من عدم خلوه [ ص: 137 ] غالبا عمن ذكر بيان له فتتعين فيه " من " خلافا لما قاله شيخنا




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية